الواد المغدور
وأنا على حافّة الوادي المغدور - الواقع شمال بلدتنا ذي الهضاب والرسوم والأطلال المخيفة، وصاحب التاريخ الدموي ذاك، حيث يُقال بأن أخاً غدر أخاه فيه، ولاشكّ بأن تسميته بالوادي المغدور هي براعة أجراها الله على لسان من سمّاه،- أقف وبجانبي گابو ذو الأصابع المنتفخة، والذي يأتي بأغنامه للوادي على تناوب، ماشياً أمامها، مُترنماً بأصوات كأصوات الغجر والبدو، لينفرد بلحن يعجز عن إنتاجه أكبر مدعوه من أصحاب الافتراء والنهب.
وگابو هذا كثير الكلام رغم محياه المتعب، فكل أمله درّاجة كتلك التي لمحها في الحاضرة، وكرتون لاينتهي.
جلست بعيداً أُبصره حيث لايبصرني، وإذ به يقلب عينيه في إثر راع بعيد، وكأنه يكتشف غرابة وجود راعٍ غيره في وسط كل تلك الوديان التي لايستطيع رؤية غيرها، ولم يبصر وجه الراعي لكنه أبصر وجوداً يجعل الله به مساءه يمرّ مسرعاً كلما رقب في تلك الوديان أنيساً، ولم يتخيل گابو أن ابتعاده عن المنازل ووجوده بين أغنامه داعياً لغدره في الوادي ذي السمعة تلك، ولم يكلّف نفسه حتى بالبحث عن بئر الوادي المهجورة حيث حصلت جريمة الغدر، وربما لم يكلّف نفسه التفكير لماذا قام الأخ بقتل لحمه وشحمه!
إن قلب گابو متغافل بفطرته، ويكفيه بحثه عن بيض الطيور وفراخها، ومكوثه كل أسبوع ينتظر السوق لشراء سماعات ذات خيوطٍ ليّنة، والتي ماتمضي دقائقٌ حتى تتولّد منها الأعطاب.
ابتعدتُّ أكثر عن گابو ورأيت ما عايشه كل تلك السنين، ولاسيما تلك التي هاجرت فيها القرية، وانخراطي في ترّهات الكرة والتفاهة، وظني بأن الافتراض- ذاك الذي استخرب كل نُزل- شيء ذو أهمّية، والحقيقة أنه كان يستعملني كما يريد، فالافتراض لايكتفي منك بعكس حياتك عبره، بل يريد قيمك وأخلاقك وكل ماتملك من دين، فأنت منه كنارٍ استزادت حطباً.
وبينما أنا في غرقي من الوعي الداخلي، إذ بگابو ذاك يصدر أصواتاً فهمت من خلالها بهائمه ودابته- المطاطة أرجلها- شروعهم في الرجوع، أبعدتُّ عينيَّ عن گابو فإذ بي أرى جوّاً اتخذ من غروب الشمس عروساً زفّها سكون كل شيء، حتى خطوات گابو وسط تلك الطرقات لاتكاد تُسمع، وكأنها أحاديث مع الأرض تأخذها فلاتسمعنا مراده.
بعد صلاة العشاء خلد گابو مسرعاً للنّوم مستسلم الأعضاء، وبعد مضي وقت وجيز برز صوت البومة ليكسر سكون اللّيل، ولاشك بأن معتقد البعض في شؤمها باطل ولا أصل له، فالنّافع والضارّ هو الله وحده.
وما إن ينتصف الليل وترتخي الأعضاء حتى يقوم الصبي بعصاً- تكبره– بالتفقد، ليكون حينها برتبة حارس وعين، حيث يظل بعدها حذرا على غنمه من قطاع الطرق أولائك، والذين يهجمون ليلة بليلة، فيتوحشون على الضعاف والكلاب، ولا مسوغ لهم سوى خونة القبيلة، فلا يجرؤا الجبان على الاكتشاف إلا بدليلٍ نثن يصحبه.
إن ترانيم البومة مع سكون الليل بالنسبة لمثلي في عمق الأنا هي ترانيم حزنٍ وحيرة، لاترانيم توحي بالعزلة والسكينة، فالحزنُ عارضٌ كما الحيرة، عوارضٌ لمن فرّط واستجمع فالتفت.
استيقظتُ على حنين صوت تكسوه نبرة الصباح الخاشعة، وكلمات ذات قافية مريحة، فوقت الصلاة حلّ، وآنية الوضوء على حركة.
استيقظ گابو كعادته، وبعد الصلاة وإفطاره- الذي تدافعت فيه لُقمه- توجّه بأغنامه، رافقته في طريقه ذاك وقاربت إليه الخطوات، التفت إليّ وكأنه شعر بوجودي، وكلي أسئلة، تُرى هل يتعرف عليّ بعد كل تلك السنين والتغيّرات؟ هل يرضى أن أكون مايقدُمه؟ وغيرها، راجعت نفسي مهلاً، فمثله ما التفت إلا لبيض طائرٍ على حاشيةِ طريقٍ أو لأثرِ أرنبٍ! ثم هل يعي مثله حالَ استباق!
والحقيقة المرّة أني لم ألتق گابو بل كان فيَ! فهو اسم شهرتي وهو الطفل الرائع! ولكن…
ضنك الأيام
ولو سُئلت عن نفسي فهي المُعمِّرة، إن ضنكَ الأيام ليرخي همًّا على ساكن الدنيا وإن كان عشرينيًّا، فيظهر وقد لطمته هنا وبغتته هناك ثم عبست في وجهه حتى لا انقطاع!
كل هذا لا يجعل تلك الملامح تكبر نفسًا شابت ولا زالت تصدع كثأرِ ابن ربيعة تغلب، وأظنها شابت شيبا لا شيب ذي بياض، فهي المعمّرة الجائلة، فصحارى بلادنا ومناحي دكالة وبني ملال والريف وتعداد الوسط هو حكاية من حكاياتها في الدراسة ثم اللُّقم، فضلًا عن كنهها من تفكر وكتابة، فذاك مادة العيش، وإن المظاهر وإن جعلت منها الأزمنة فارق واقع، لا تزال كما ذكرت طفلًا رضيعًا في أعمار النفس.
إن النفس التي هذه صفتها، لهي نفسها من تلعب بالأجساد، فتصور الهموم تجاعيدًا وتصرفها تناهيدا، وتلعب بالضغط فتكون الأعين منه وشك انفجار بركان، ويكون ما تحت الصدر عاصفة أمواج هدّت صخرًا.
وقديماً ما من مجلس جدّ أو لهو إلا وكان مني الجهد فيه وروح الطفل ذاك.
ثم قيل : بأنك متى فقدت ذات الرفاق فقدت البذل منك!
إن سلّم العمر يتصاعد على درجٍ زواياه مختلفة، كلما وصلت لدرج منه نظرت أبعد من سابقه، ثم يلحقك التعب، فأنت ذا حمل في كل درج؛ كلما إلا وكلما، وإنك أنت ابن أرضك، فمتى كانت منك ذوات الرفاق بتشدق جوهري إلا وكان من الأرض أن تنبعث معك ولو كانت صحراءً!
هي رقصات الحزن في النفوس، بكمان نُزعت أوتاره، وهي التفاتات بئيس حين غاب التعقل، هي حسرات الاستبداد منك إليك.
الضنك الحاصل! أدفع عن نفسي قش الانهزام، وسط غرفة كنت جدارها الخامس، مائلة الجدران، ومتداعية السقف، ومخربة الأرض، ومقلعة الأبواب،وبذكر الغرف فالبنايات هياجة العاطفة، أساس غالبها رقصُ رقصات الموت تلك!
والجمهور يحب ذلك، فكم بناية ناطحت السحاب وجوهرها جرذان ومتاهة!
تهاوت قدماي لأسفل كأنها تريد رقصة سخرية أخيرة، لينبعث الطفل مني بقلب الصغر مذكّراً؛ وحيثما وقفت في عملي المتعب حينها أجده يبث فيَ خواطر الصغر، أرجع في الحافلة ولازال يلاحقني، أحمل الهاتف وإذ به ينبعث من حالات الواتساب، أجده في كل شيء، وآخر ما وجدته فيه هي حالة "واتس" عن فناء الأرض، لأفتح حضني للطفل ذاك من نفسي؛ كنت أنا وهو واحد، فگابو طفل هلال نفسه أيوب طفل الحاضرة.
وأما ذلك التلاشي الذي لا تشعر به فهو مرحلة انتقال لم تُخبر بها؛ فجهات اتصالي- تلك التي ظلت زماناً وهي معدودة أحفظ مواضع حروفها- أبت إلا أن تصبح موضع هجاء؛ فهذا عبد الله وذاك زيد وذاك ميم وذاك حسن تطوان وذاك حِرفيُّ كذا وغير ذلك مما لا يعيق لساني هجاؤه بقدر ما يعيق فكري استغراقه، فلا أعرف الواردات ولا الصادرات حتى، فضلاً عن مسميات كتبت على غفلة أو ضاعت في غفلة الزمن مناحيها، وليس هذا مرادنا في التلاشي كمرتكز، وإنما كان للفكر فيه ذلك التضلّع فحصل عليه التوقف.
وأعجب لتلك المشاعر التي صاحبة مواقفا فتلاشت معها؛ فحتى الأرقام تلك لها انشراح من فراغ تنبعث منه أحاسيس مختفية، تكاد تذكرها ولا تستطيع، لكن تشعر بالتلاشي ذاك لا محالة.
وأنت أيها الإنسان فكر ومادة، فهذه الأحاسيس التي فُقدت بغياب أختها ما هي إلا نمط دلالة؛ كتلاشي الصحبة، وتلاشي العادات، وتلاشي الأعضاء، وتلاشي الابتسامة، وتلاشي أحوال الجيران- من زغاريد فرحٍ ومواسم حَلق الماشية والتجمعات المصاحبة لها- وتلاشي أحوال المجتمع وبديعه،وغير ذلك الكثير!
استفقتُ غير أنّي
هناك، وفي البشر، ما يعتري النفس فلا ترى، والفؤاد فلا يشعر؛ وهناك بالذات تضارباتُ الأفكار لتسيح في وديان التيه ما أردتَّ ذلك. فهي فطرةٌ وشرعةٌ بين يديك، تُغنيك عن الانطلاق الخطإ الذي تركبه من توجيه بشر؛ كان ذلك من مناحي الشبهة أو الشهوة؛ فشبهةٌ يُلقيها جاهل، وشهوةٌ يُلقيها ماجن، وأنت بينهما تائه؛ تعتريك هزّات الركب الخطإ، وأصوات الراكبين المهولة،وضحكاتٌ بعيونٍ اختلفت منظوراتها بين ناظرٍ لسقفٍ ونافذةٍ وسطح أرض، ومثلك ومثلهم تركتم كثيرَ مجالٍ لتملأه السذاجة.
وكأنّ الدنيا مركب، يسايره من الناس بعضٌ بعمقِ ما بقي من النباهة؛ فذكيّ الغير ذكيّ التفاهة، فنرى انحلالاتٍ وتيهًا ودناءة تفكيرٍ وسوء لا تعبير.
ومركب الدنيا، مع كلّ استراحة، ينزل منه مستفيقٌ واثنين وأكثر؛ وقلّ أن ينظر منهم واحدٌ بالعقل فينزل؛ العقلُ الذي أهملوه حين أرادوا استعمالَه، فكانوا تبعًا لفكرٍ دون البهيمة، وسفهوا حتّى تهاوت بهم الأفكار العابرة التي ليس لهم فيها أساس عقل؛ فتجده يستجيب لها لكثرة الضنك والسواد، فيشرب ذاك ويقفز عن ذاك، وهذا واقع رحيلهم. فالكآبة التي لحقت غير ناضج، وتجلّت في غير عادل، هي نفسها التي تزول بفكر الحياد، ثمّ النظر كطالب حقٍّ في الكتاب؛ ثمّ هل من عاقلٍ لم يلمس الفطرة؟ أم تركها لأنّها حقًّا الموصل للمراد؟
إنّ تغليف القلب بالشهوة، كلّما تداعى العقل بالبرهان، لهو دليلُ كلّ واحد؛ فهذا وذاك، ذاك وذاك، ذاك…
