مجريات الحوادث
يشيخ الجيل أو يسير مسير الأرنب ومعه غريب عصره وعاداته، حتى تلمح الجلد المنفوخ والمشجّعَ العجوز، وقد كنت ترى العجوز قبلها يستفهم فيه، بل إن شاهده لم يعطه بعض بعضه، فضلاً عن قلب تُقدّمه الناس ابتغاء هواجسه، والزّمان يلوذ بذلك حتى تملّه الأيام.
تناقض التردي
أجلس القرفساء بين ظهراني أنفاسي، ألتمس نفساً يخفف مآسي، آهٍ على زمنٍ، بل آهٍ على نفسٍ ومجتمع، أيها الشاعر.
أتوه بين الكلام وأنا أغرق، وأجعل ديدني شعراً لا أكاد أُدرك معناه.
الزمن جميل لولانا، يا أنا، ونحن بذكر الله والعمل مثله.
ثم ماذا؟ هل ستسائلني اليوم حقاً؟
تعبت ألف مرة، أطوق إلى الهروب من كل لحظة كنتُ فيها مع ذاتي الثقيلة، وليت اللحظات تقف أمامي فأواجهها بدل أن تبتلعني.
ليت العالم يكون هدوءاً لا يرهق الروح، ليت المطر يغسل هذا الضجيج الداخلي، سأبكي حينها لا لفنائه، بل لخفة ما أشعر به أخيراً.
حبيس الملل
بعد الطّلب ونعيمه كنت المستلذّ بكرة حبيسة الملل، ومشاهدتها حبيسة الأعصاب والكلل، وكنت بعدها في مظهر الخارج كالدّاخل، سفيه الفكر والأمانيّ، أسمع بين حين وآخر سجيناً في داخلي البعيد ينادي بأصوات لم أفهمها، ولكن أعرف أنه ينادي، وأخاف انقضاضه عليّ إن أنا أجبته، ألتمس منه السكوت الأبديّ أو الفرار من لهيبه لأبعد.
أخاف أن أكون هو، بل أشمئز أن يكونني. أصبحت لا أحتاج من صديق السوء إغواءً، فكنت المكتفي في ذاك عنه، أمسكه لأطمس كل ما كنته يوماً، فطفل أو يافع أو شابٌّ منّي يعني قشعريرة اشمئزاز وتنكّر، أسارع زمان لحظتي لمسح ما أجد من مخلّفات كما ظننتها.
لقد كنت قاتل نفسه حين غاب بروز العِدا.
بين إيجاب وسلب
والانسان بين إيجاب وسلب، ما استقام له واجبه، وبانت له مداركه السعيدة، وهو إلى أبعد الايجاب وأبعد السّلب أقرب؛ فورد القرءان وما يتبعه من تخلية القلب وتحليته وتحصين النفس بأذكار الصباح والمساء مجالب إيجاب، فيما يكون هجر القرءان أبعد السلب، ويكون التّخلّي عن التحصين مجلبة الاغتيال.
وهل تعلم؟
وهل تعلم بأني أجد نفسي غير الموجود، كجماد بل مع ثقل كمغطاة بوحيد عِمد، أجدني الفارّ من نفسي حين تقتلعني كمّاشة الدنيّة، أجدني الناكر لنفسي والمنزوي من علٍ، أطوق بنفسي لمضيّ الطفل فأرجو فيه الخلود، أو أقف على أيامه فتبرز في لحظة أن تتوقف السنون، فأعيش بقيّة أيّامي على عبق الزمان ذاك وريح المكان.
سيقول جمع الأنا بأن ذاك سفيهاً انكبّ على رجعة، وسيقولون : هو الأحمق، كيف يعيش بمقتل الذكرى!
انقلبت في المعاني لتتّخذها الشجون أسامي.
إن قريباً تخطّى حاجز أن سلام لبعيد الوقعِ أن يفتك بمخلب أن أفتك لا أبالي!
ركب الأعمار
وبين ركب العمر وطويّ الهمّ، يبرز البعيد النذير، ليستقلّ ببهيّة وسمه ومطويّ الأعمار، متّخذاً في ذلك فلسفةً تدحض العمر الرقمي ليجول في المعاني الباطنة، فالتفكير ومضيّ اللُّحظ واستمالة بروز سنين تبسط المرجوّ بلا ديدن من مشاغل متاع، كل ذلك مهر الظهور.
اتّخذ الشّيب من نصفٍ أيسر لوحةً إليها يتكاثر، ولو رقّ لذي خمسٍ مع عشرين فانبعث على تباعد بصورة التدرّج، أو جاء بلون شبابيّ ليكون نقيض لون الاستسلام، ثم ما يلبث أن يجعل ذي الشيبة عند العامّة جدّاً، فيناديك الصغير وربما القرين : يا جدّ! وليته يقبل مني مفاوضة فأكون معه على صلح، فيعمّنا الصلع، أو لربّما أرسم له حدوداً فلا يجاوز حذو الأذن، فأقبع معه خلف غطاء رأسيّ وأبرز بلحية ذات سواد.
ثم إن الدنيا تشحنه، فما يلبث حتى يكون خائن العهد، فيبرز وصدرَ اللّحى، فليس في جانب فيخفى تارة، بل على مرمى الظهور ومرآة للجاحدين.
والنذير هذا ضيف كغمامة أحزان، ومع ذلك فله جزيل نزول، فهاهي الأحاسيس التي احتاجت زماناً لتكون، وبرقيّتها على مرمى القول والأقلام، تسطع لبروزه مقاومة، وهي بدورها مع الدنيا على هدنة، فمتى برزت الدنيا ومشاغلها فقدت فيها الشغف وعقدت الهدن، وهي مع النذير تقاوم ليكتفي منها بما مرّ غير مستأنف الحال، فتكون معه على سنين مؤمّلة، وهذا ما لا يقوى المستعمر هذا عليه.
فأراه اللطيف المستبدّ بسواد ما ملأ عيني، وإن كان للرجل المرجلة ففيه فيها ما يحتفظ به لنفسه، ولو لم يجلبه بال أو يتسحضره حال، وإنما يعرف ذلك يوم التَّرحال.
ثم إن الشيب سيء الصمعة ثقيل النزول، فهو نفسه رسالة الخاطف، وعلامة محجوز الموت، ففيه كآبة الحلول متى رُكِب.
فلا سلام على سواد ركبه الشّيب من ذي نيفٍ وعشرين.
قد أكتب!
قد أكتب وأنا الذابل وسط حدائق خضراء، وقد أكتب وقلبي المومئ بالراية البيضاء وراء أسوار شامخة، وقد أكتب وأنا موقوف النبض جانب طريق سيّار، وقد أكتب وأنا الأخرس الذي امتلأ قلبه ثِقلاً بما لا تستطيع إخراجه اللغات وسط صدى الأصوات المحيطة، وقد أكتب، وأنا قتيل نفسه بجثّته التي لم تتعفّن، وأكتب وقد أذقت نفسي الميّتة نسيماً حين الصلاة، لكن والمسجد مغلق فلا مأوى يبادر لها الحياة…
ثم إني قد أكتب ومنّي عشرون سنة وزيادة، ولم تكن لما خُلقت! وبيدي التخيير ، فرمت الجهالة! والجهالة ما يميت القلب وينكسه.
قد أكتب مكبّلاً حين يسيح الطير فوقي رفرفة، فله الحرية ولي من نفسي الأغلال!
قد أكتب وأنا الآبق النّاكر لجميل ربّه.
وقد أكتب وأنا الدّنيويّ المقيت، والقبر قادمي لا محالة!
