الجزء الأول كتاب خواطر لأيوب ابن المليح

مقدمة



الحمدُ لله الُمعطي الوهّاب، والصلاةُ على رسوله خيرِ الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وبعد: 


إليك كلماتي هاته، قارئي الكريم، وهي كلماتٌ كأنّها روحٌ من جثّةٍ تُبعث، فسِرْ في سردها سيرَ رقيب؛فقد تجد بين السطور ـ على البياض ـ أكثرَ من سواد المداد!


مشاهدٌ انبعثت من خيالٍ جمع غيرها الأضعاف؛ فهي عصارةٌ من فكرة، وذكرى أيّامٍ خلت، ووقعٌ لا افتراض فيه، وفيها ما يُحكى وما لا يُحكى. وحسب كاتبها أنّ غيره من إنسٍ وجنٍّ لن يدركوا كامل المعنى مهما حاولوا؛ فهي أحاسيسٌ أحتفظ ببعضها بإشاراتِ ما بين السطور، وأبوح بظاهر بعضٍ على إثرِ كثير. 


فقد تدرك ما بين السطور كلّه، ولكن لن تدرك الإحساس نفسه، قارئي العزيز، لست بالمنفّر، ولكن للقارئ المعنى ما استغرق، فمتى فقهت ضرب المجريات نلت من  وقع الكلام، وخواطري هاته،كلٌّ منها يصلح لمجلّدٍ ضخمٍ تقصُر عنه بعض الهمم، وأحداثها واقعٌ لا خيال فيه.


وإني بداية لأ تمثل من صدر كلام لابن حزم رحمه الله - وقد قرأته قبل سنين فوقع ما أقول في قلبي، فلا زلت أستحضره وأعيشه- وذلك حين قال داعيا: أنجانا الله وإياكم من الحيرة. فأقول: آمين، آمين.



محبّكم :  أيوب ابن المليح (گابو).



هواجس وتقلبات


دخلتُ المبنى متثاقلَ العاقب، جاحظَ العينين، مستسلمَ البال،كأنّي ناجٍ من رواية فسك، أو كغريقٍ قارعوا على رميه!


مع كلّ خطوةٍ، وكلّ نظرةٍ شاخصة، أجدني المحشور في عوالم مرّت؛ فكأنّي روحٌ بئيسٌ من صفحات مغبرَّة!


وإنّ واحدَ الناس ليعيش ألفَ عامٍ وفكرته ساعة، ورُبَّ راشدٍ يصيب ساعةً بفكر آلاف؛كانت كلّ خطوةٍ على الدرج ذاك فارقَ أزمنة، ومع كلّ واحدةٍ منها زال الشخوص، وأخذ الجحوظ مأخذَ المُغمِض الذي ليس يحرّكه سوى خطواتٍ قد لامست ريحَ النُّزُل!


ولمثل الرجل هذا حواسّ قد وطئت موطئه، وسارت مساره، وإنّها لغرباله؛ فلا تميلُ ميلانها، ولا تُطربه حين ينبغي. نفسُها التي جعلت من صوت ريح العشيّ ذاك نغمةَ الداخل، وكأنّها تُبهم بأنّ رياحًا ذات صوتٍ لأهونُ من عواصف باطنٍ ملتهب…


قبل لحظات من هذا كان صاحبنا قد رفع رأسه في لحظة استجماعٍ لكلّ ما فيه، واندفع بجوارحه نحو الأرض المستوية تلك، وزاد من اندفاعه مقاومًا الدوران الطارئ، والنوم الغالب؛ ليحشر نفسه على حائط المبنى اليمين، متّخذًا من كفّه وسادةَ ساعة، واستراحةَ سنين.


ولا شكّ بأنّ الخرّيت الخبير الناظر على درايةٍ بأنّ صاحبنا ليس هو حقًّا من يتهالك، ولكنّه داخلٌ متمرّدٌ به؛ فقد يبذل الواحدُ من الناس لنفسه مقتَله. فإن عصفت العواصف، واحتجتَ منها احتياجَ المربّي لقرينه الطفل، انبعث منها مكان الغدر والسفك؛ فليس مثل النفس في الخلّ والعداوة!


اقترب صاحبُنا من الباب، وساير البدنُ منه الروحَ بحسبٍ وقدر، وما إن أوشك على فتحه حتّى سابقه في ذاك ولدٌ نشِط؛ نظرات الرجل لم تتغيّر، ولم يهله ما كان وحصل!


انبعث صفاءٌ من بسمة الفاتح، والتي سرعان ما تغيّرت حين جال بعينيه في الرجل أمامه؛ أدرك مسرعًا لغز الحياة بدنيّة التّقلّب، ثمّ ما لبث حتّى مدّ يده ممسكًا بجامد المشاعر.


ساير الطفل الرجلَ في مشيه، ملتمسًا ثبات القدم، وبين لحظةٍ وأختها يرفع بصره ناظرًا بعطفة حسرةٍ لوجهٍ اتّخذ العبوس مرسمًا.


أجلس الطفل الرجلَ، أو جلس الرجل! فالطفل له المعنى، ولا قوّة له ليتّخذه الرجل متّكئاً؛ فكان المعنى شحنةً تُحرّك، وكان للطفل العزم والرضى.

خاطب الرجلُ الطفلَ مباشرةً في صلب الفارق، وكأنّه درسُ تدبير، أو أنّه خاف فوات لحظةٍ قد تسرقه بعدها الأمانيّ: 


«يا أنا، هذا الفارق بيني وبينك هو عمرٌ انفرضتُّ به، فكنتُ منك إليه؛ أرانِي فيه كصيدٍ يتبع طُعمه، ثمّ أنسى كلّما فطنت، وفي النسيان شُحن خَتمٍ وغشاوة. يا أنا، إنّي أستحضر منك إليك حروفاً، أجعل أوّلها مجيئًا لك قبل سنوات، حين غابت فيك مناعةُ الاستيعاب، فاستبِقها.»











تعليقات