اقتحام بيوتات الناس
بينما أنا في حديثٍ مع أحد فضلاء الحيّ ذات مرّة، إذ بامرأةٍ تخرج بصوتٍ مرتفعٍ من نُزُل قوم؛ فقال الرجل: ـ موقفًا كلّ حديثناـ «اقتحامُ بيوتات الناس!» وانبعثت منه نظراتُ الخبير المجرّب.
وصاحبي هذا رجلٌ جال الحياة ومسّته الطباع؛ لم أفهم حديث الرجل فهمَ المُدرك حقًّا، واكتفيت من ذاك بالنظريّ، ملتمسًا أن يكون ذلك استثناء؛ فربّما حين تُقتحم البيوتات من عابرٍ مرّةً واثنتين، فذلك قد يكفيه التصبّر وضيافة الحياء، ولكن في الاقتحام تفاقم!
وصاحبي هذا أدرى بطباع الناس منّي، أنا غير المتضلّع!
والاقتحام اقتحامٌ في خصوصيّاتهم وما يليها؛ فذاك في وردهم وأكلهم وشربهم ونومهم، بل في غير ذلك حين يأوي كلٌّ منهم لبرنامجه!
فالمريض يحتاج لراحةٍ ثمّ نشاطٍ منضبط، والمتعلّم يحتاج لنسقٍ محدّدٍ لضبط مسائله، والمعلّم يحتاج للنجاة من نوبات الهلع التي قد تُصيب منه اللاوعي.
ثمّ لا يشرك المقتحم بضحاياه إلّا ما قد يلمسه من ابتسامةٍ كانت عابرةً من أحد أهل الديار، والتي جعلت منه ـ عوض العابرـ ساكنًا مُزعجًا.
لم يكتفِ المقتحم باقتحامه، بل تنوّعت طوائفه؛ فتارةً يُقاطع أهل الديار، وتارةً يُخلّف خلفه فتنةً لو عقل لأطفأ لهيبها بإماطة نفسه؛ فكان الأذى والنفس الغير مدركة، وهذا حاله ولو كان من ظواهر التديّن فيه ما يُغري غير المُقتَحم!
فتارةً يقطع حديث أهل الديار بلا حياء الضيافة، مُحكِّمًا نفسه، وتارةً يُوحش ليل البيوتات مقتحمًا هاجمًا، وهل من ضيافةٍ في منتصف ليلٍ تعقبها أذيّةُ أهل الفجر والعمل؟
وإذا انبعث المقتحم برداء الصداقة والتلوّن، فما كانت الصداقة يومًا بإيذاء رابطٍ للمصادَق، وما كانت سبيلًا للاقتحام وإفساد العيش وبثّ الأمراض!
والفرق بين المقتحم والصديق المداوم ترحابٌ لما دونه؛ فالأوّل يتناسى إفساده وما يتصرّف به من أذيّة، والمداوم الحييُّ يستحيي ويستأذن، وتتجلّى فيه التربية؛ وما كنتُ لأذكره لولا مخافة انعكاس القول والمقال.
تضاربت أصوات المقتحمين، فوصلت لأعدادٍ غير قابلةٍ لمحيا تكسوه نظرة المتغافل…
.png)