مسير فارق
ولازلت أقتفي أثر مسير قد فارق (الصبا)، فأنت بعده في إثره مُدْبِرٌ مقتفي، أبعاده كربيعك على بساط الحسرة قد طُوي، ومع ذكر البساط ففيه من خريف الطفل گابو ذاك الكثير، حيث كان منه وهو كبير بمكان الطفل ذي الأعاجيب.
ولست أدري أَلِضعف من لساني وجارحة النافح وشيطانه كنت الذي تنسيني الأطلال ذاك من نفسي!
أم لأن وازع ما سكن الصدر من كتاب ربي يأبى إلا صرف المنظور لما حُقّ له!
ولست بشويعر فضلاً عما بأل قد حُلّي، ولكن في من أحاسيس البشر ما ينبعث؛ فأزقّة زماننا كفيلة بمنحك فراسة العظيم عمر وعزة الرافعي، وهي نفسها تغطيك بشؤم شوبنهاور وخيال ميلكياس وبؤس أوروبي في القرون الوسطى.
وإن خُلد الحيّ لا يكون إلا بأثره الملامس، وإن أثر المسير ليُطوى بعد البساط لبساط سُكنى الأب عليه السلام في جنة الخلد، وتلك غاية الغايات التي تُطوى بحضرة ذكرها صغار المشاعر وإن كانت موصلة؛ وكأني بقول الإمام ابن القيم رحمه الله :
«فحيّ على جنات عدن فإنها… منازلك الأولى وفيها المخيم».
فلكل مطنبٍ أوجز، ولكل متأخرٍ أعجز؛ فالإطناب والتأخر وجهان لعملة ما سُطّر وعُقد، فيا مطنباً أقبل على بعض ما أنت فيه فانقص وتحرّى وحرّر، ولا تكن بسجيّةٍ تتعاقبها خفقات من انتظر ما انتظر ، وللمتأخر أقول : كن كالغمامة قد تتأخر لكنها حُبلى بالخير، فكن يقطين انتظار لا يكون سوى على أرض ذي اليقين بربّه.
كانت المتفرقات منّي إليّ وعليّ.
الإنصاف
يا أنا، حرِيٌّ بكلّ لبيبٍ أن يأخذ على يديه خصلة الإنصاف ويمدّ يده لها، فلا ينفكّ عنها لزوم المختلس لعامّة المناصب.
وإن كريم الخصال ليس بحاجةٍ إلى استئذان قلبه ليُبرزها، بل هي سجيّته مع موافقه ومخالفه، بل مع نفسه حين يركب بحرَ غرقٍ.
والعجب من قومٍ جعلوا كينونةً كانوا بها مُحشّين أساساً به لا يُنصفون، بل ويتعدّى ذلك في واقع الأمر إلى سبّابةٍ واتّهام؛ وإن حصل أقلّ من ذلك فهو التسفيه لعقلٍ وقلبٍ لم يجعل لحياته حاشية.
وإن لمثلهم قدواتٍ في الألفاظ لا الوقْع والسّريرة؛ فسريرةٌ لها لسانٌ شُحِن بالبغضاء لهي بيّنةٌ ظاهرة.
ثم لازال الإنصاف ضحيّة الجهالة وحبّ الدنيا بين كل إفراطٍ وتفريط؛ فذاك أُلفٌ استبانت له وِجهة!
تنهيدات الحاقدين
تنهيدات الحاقدين، سهام الامتلاك، جشع الانفراد، زينة الشياطين، علامات الحسد في النفوس التي تبرز بصورة امتداد النظر وتأمله.
مراقبة نفوس البومة من بعيد، على مدى جدار الإنسان؛ جدارٌ في الصورة لا في الشكل والمادّة؛ فالأعين لا تخفي مكائد القلوب، والأفئدة سلاطين نصبتها عقولهم الناقصة للجشع ولو في الخُلق والزينة.
ينطلق الواحد منهم مهموماً مغموماً لأجل نعمة ينعم بها صاحبه، لأجل ابتسامة من ليس بينه وبينه عدا السلام؛ قد ينطلق عند عرّاف خبثه ليُفسد عليه ابتسامته. العرّاف المتخطي جدار البشر، عرّاف اللاتبريك والعيون البارزة.
أما عرّافوا السحر فأولئك يستهوون نساءً رءوسهن كأسنمة البخت المائلة. لن أفتح قوسهنّ مخافة أن تمتلك إحداهنّ يوماً حساب فيسبوك فتشير للجميع، مخافة قيام مقبوري السحرة لمشاهدة مباراة ملعبها أنا وذكراي.
القطار الجد
وكم أجد في القطارات ضالتي المنشودة، فهو الإطار السائر والمنعزل عن البرايا، ألمس في ازدحامات الناس فيه عالماً يختلف بفلسفة الكبار ومرح الصغار.
وكأني به مترنّماً :- أنا القطار الُمصوَّب، أنا الوفيّ للسكك، أنا الشاهد على عصور، أنا ذو الشيب، أنا رثّ الزمان، فلماذا تحبني؟
وكأني أجيبه قائلاً:- أنت الجدّ المهيب والصوت الفريد.
فيقول:- حقاً، وأين أنا من أحفادي يا لبيب؟
فأقول:- أها، لقد فقهت الأمر أيها القطار الجدّ، فأحفادك في ظرف ساعة يقطعون نهارك، فما هو إلا حنين لك سيدي.
وبصوتٍ منقطعٍ من ذي شيبة يرد: -أووه حنين، هاهاها، قل لأني بخس الأثمان، والمقبل على فيافٍ لا يصلها غيري من أهل العصر الأنذال.
– حسناً، لقد كشفت ركيزة باطني، ولكن لا كذب في قولي عن الحنين وغيره، ومراعاتي لقلبٍ غشاه الصدا.
ثم ما معنى الأنذال؟ وهل يستبُّ الجدّ مع حفيده؟
– يستب؟ هاهاها، فأنت على دراية ببدئهم، لقد أكلوا عظامي حتى إذا تآكلت أذاعوا شيبتي وسوء ضيافتي.
– ولكن لا يذهب عرف السبق والحيازة منك يا جدّ.
– يذهب حين يغيب مقامي، وحين أكون الواقف بفلاة أنتظر فك أجزائي كناقة آلت سُدى، حينها لن ترى إلا برقاً من أحفادي مسرعاً، لم تظفر منه بصوت يوحي بالوقع ولا بسكك أحسنت الضيافة.
– وأنا…
– أنت ومثلك ربما ترتحلون من عالم المليار يا صديقي قبلي، فالأعمار مسرعة؛ فعقود في لحظة، ولحظة هي عقود.
وفقدكم لي هو الظاهر، والباطن شوق لبخس الأثمان ويد تدفع دراهم لا دماً منها. وقد كان أجدادكم معي شباناً، ثم مضت الأيام وتزينت الدنيا لكل منهم بالأماني حتى فاضت الأرواح.
فاظفر منها بحلالٍ يكفيك أو يغنيك، حلالٌ حلال. فالسلام عليكم ورحمة الله.
وعيناي كوادٍ أوشك طرفاه على الفيضان، أقول:- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا جدّ.
وأكملت حديثي بعد نزولي ويقيني بأنها من آخر رحلاته: - بعدك لن أزاحم من يرمقني بنظرة استخفاف على مركب عصري يا جدّ، ولكن ألتمس أُناسا كانوا معك على ودّ، فحيثُ وجدتُّهم كنت الراكب والفاقد.
يأتي صوت من بعيد قائلاً :- هاها هاها، فليبؤا أفضلهم (المراكب العصرية) بمجرى القطار في السكك.
