الجزء التاسع من كتاب خواطر لأيوب ابن المليح

 وسم مكتبة

قد أخالف عناويناً علّقتها بعض المحلات باسم “المكتبة”، متطفّلين من حيث الجلّ، غير مراعين لأدب التسمية ولا مضمونه.

ينزل الواحد منا لطبع ورقةٍ بدرهمٍ أو ربعه كما هو معتاد بالمدن الكبرى، ليتفاجأ بأن صاحب المجزرة تلك يطبع ذلك بعشرين من الدراهم.

فورقة التسجيل كمثال هي كثيرة الاستعمال شبيهة المعلومات، ماذا يضرّ لو بيعت بدرهم مع ترك خواء يملؤه صاحب الحاجة؟ وقد كان ذلك من بعض الفضلاء تخفيفاً.

وماذا لو سجّلهم المكتبي حقّاً بحاسوبه متّخذاً حساباً رمزيّاً كخمسة ؟ ففي مرّة كنت أشرح لمحلّ بدكّالة طبع ورقة لي، فكان منه أن طالبني بعشرة دراهم، وأنا الذي أريته من أين يُحمّلها، فهل تحميلها من الويب ثم طبعها بهذا التوحّش!

وأما البوادي فيعاملون المحلات هاته معاملة ذي منصب، فيراعي خاطر صاحب الحاسوب ولا يحاجّه في ثمن أو خطإ، بل قد يخطئ وينال أجر الخطإ والتصحيح، فتكون بذلك بطون مثلهم مليئة بالجيفة!

وهذا كما قلت حال بعض من سمّوا أنفسهم “مكتبات”، وإلا ففي المكتبات كثير من  الفضلاء وأهل الشهامة .


توبة آبق

ربّ السماوات والأرض، ملك الملك وقابل التوب، أبثّ–  وأنا عبدك الآبق–  كل توبة من كل آفة وتجاوز، أنت أعلم بالحال فأحسن المآل يا خالقي.



أرنب البّرية

ولازلت كلما ذهبت لكدية عيشور راعياً أبحث عن أثر الأرانب، فكنت أجد من ذاك ما يجعلني ألهف للعثور على واحدة منها، وأكثر ما يكون البحث حين أرعى الأبقار ثقيلة الحركة في الغالب، فليس يحرّكها سوى حشرة تجعلها بلا وعي، وقلّ هذا إلا ناذراً، وإلا ما استطعت الرعي!

وليس هذا بموضوعنا إلا أن الشيء بالشيء يُذكر، ثم ما تلبث حتى تكون على اتكاءٍ متتابعة، فأستغلّ اتكاء جلّها للبحث أكثر عن أثر الأرانب، وربما اتكأت الأبقار كلها في إشارة لضرورة أخذي لها لتشرب وتستريح في ظل خيمتها، ولكنّي المهووس بأثر الأرنب!

وظللت زماناً حتى كنت يوماً في مكان تكثر فيه الآثار ومعها أيضاً جلابيب الثعابين، فبينما أنا وعصاي وشمس الربيع الباسمة، إذ بصوت يصدر من المكان على شكل خرششة، فهرعت لظني به ثعباناً، ولم يكن ببالي بروز أرنب بخرششة تبعث الرهبة وتومئ بالحذر.

وما إن ابتعدت قليلاً حتى خرج أرنب لم أر مثله، كبير الحجم رغم برّيّته، سريع كالبرق، وقد صادف ذاك اليوم وجود صديقين يكبراني سناً بالأرض المحاذية لي، فناديتهما مغالباً اللحظة ببهجة حضور الأرنب، فما كان منهما إلا أن مرّ بينهما وكأنه يقصد التحدّي، وقد أُخذا على شبيه غفلتي، فكلماتي لم تسبق سرعته ربما!

والعجب أنه اتجه اتجاه القرية حيث تكثر الكلاب وتكثر الأخطار، فكان ذلك منه تحدّيَ شهامة وحضورَ قويّ، فهو كأرانب الأدب في حكايات شوقي عن الفيل، فكأنه الذي نادى :  يا معشر الأرانب!

ولأن حلم الأرنب لم يُنسَ فقد كنت كثير صنع السهام، غير مدرك بأن سهامي وقوسها-  الذي اتخذتُّ له جلداً-  لا يقويان على صيد دجاجة، بل على جرحها فضلاً عن أرنب يطوي المسافات، ولكن هل أفسد لهفة الصغر فأعي ذلك!

وقد خرج سفيان ويوسف وبدر ذات عشيّة متجهين لسيكي موسى جانب الوادي المغدور، قاصدين الصيد عُزّلاً، لا يخيف الأرانب منهم إلا الأصوات، وهذا طبعاً ما لم ترَهم، ويستحيل طبعاً أن تتّحد الأرانب فتحاصر الأطفال حينها، ولكن قد تتّبع سجيّتها الغالبة فتمارس الركض لا الهروب، وهذا ما كان معها.

فقد ظهرت لهم أرانب شتّى، وكلها ترسم لهم قرب نظرٍ ثم بعده سراباً، وقد باهى الثلاثة بذلك وكنت الغائب، فعددت ذلك لهم إنجازاً وقد كان، فلو أن لي بذلك حينها لأبدلته كل مالي.

في نفس المنطقة تقريباً يأتينا والدي بطائر القطا بعدما كنت المحبّ لإمساكه، وبغير سابق تفصيل أنتقل للحظة إتيان أبي بالطائر هذا، فكان منّا إجماع بالمنزل صادق عليه أبي بأن تكون القطا حيث ترسم بجناحيها حريةً، وتكون في البرية مقاومة رصاص العابثين الذين يأتون من كل حذب بسيارات تجاوز العشرين أحياناً، فينهال الواحد منهم برصاصه على سرب القطا فيكون عديده ساقطاً، ليأخذ صورة نصر برصاص اغتال به ما لا حاجة له به ولا مُقتضى، بل مباهياً بغريزته.

تمرّ الأيام، وبعد مجيئي من السوق منتصف الصيف ألتقي صديقيّ محمد وأحمد فنذهب للصيد مفضّلين إياه على قيلولة ما بعد الغذاء جرّاء تعب السوق، وقد اتخذنا سبيلاً وهو أن نتفرّق فيأخذ كل واحد منا مساحة، وطريقتنا بدائية في الصيد، فحسبي من السرب واحدة، وحسبي من الأرانب مخبأة بنبات فأخطفها.

وبعد إذ ذاك، كنت بوادٍ لا أرى فيه صاحبيّ، وبدأ التعب والحرّ يذودان بي، وكأني أيست من وجود صيد، إذ بأرنب حديث البلوغ اتخذ من الطريق مساراً، وكنت لم أره ، فكان منه البروز في ما يتقن.

ظننت حرارة الصيف تضعفه، فكنت المسرع خلفه من أول وهلة، فما كان منه إلا أن أراني من نفسي مفهوم السرعة وبديهية الفطرة، فكنت خلفه لأكون الباحث عنه بعدها، فقد لعب معي شوطاً آخر وهو حسن الاختفاء، فكنت الباحث عن حاجتي به، وكان المدرك بأن الفوز ليس بروزاً وهجوماً، بل المعارك بحسب المواقف.





تعليقات