قطة شبه الحاضرة
يذهب الفلاح في الصباح الباكر لاقتناء أعلاف البهائم من شبه الحاضرة، وبعد طول كدمات وهزات وارتجاجات من كرسي السيارة المقوس ذاك، قد وصل صاحبنا أخيرًا. وما إن ينفض مشقة ركوب تلك السيارة ذات التاريخ حتى يتوجه عند صاحب الأعلاف– ذي الدفتر الخشنة أوراقه- ليُسلّم عليه وكأس الشاي بيده.
وفي غفلة من أصحابنا الذين شغلهم ثقل الأكياس وحرارة غشت وخشونة الثمن، حيث يفعل هذا الأخير أضعاف ما تفعله مشقة جسد قد يستريح، قفزت قطة بيضاء كالثلج للسيارة تلك، وقد عزفت آخر ألحان تحضرها… فهي لم تعتد خشونة الناس فضلًا عن قطط البادية، ولم تضطر لصيد لم تتدرب عليه وهي صغيرة، ولم يسبق أن دخلت في صراع دون أن يتدخل الناس.
وما إن صعدت حتى أرادت الاكتشاف بغريزتها، فما إن وصلت لطرف السيارة الأخير محاولة الاستدارة للرجوع حتى باغتتها أصواتهم وقد داهمت السيارة، وكانت كل نظراتهم حول وضع الكيس بمقاس على أخيه، قبل أن يحولوا ناظرهم لعدّ كل الأكياس.
وصاحبتنا تلك وراء آخر الأكياس ترتجف، ولا زال أملها أن يرجعوا فتعود من طريقها الذي ظنّته كافيًا للرجوع، ليخمد السائق كل آمالها بقفل الباب الحديدي بقوة، لتنظر وهي لم تعتد هذا من قبل، وقد حاولت الظهور، ولكن ظهورها قبلُ كان أحرى… لكن للقطط حواسّ بحسب مستقرّها.
انطلقت السّيّارة وقلب القطة يكاد ينقطع، وكأنها تقول : ليأتِ ما بعد هذا.
ومثلها كفيلة بأن تفقد الوعي بخوف لحظة؛ فالخوف أشد فتكاً من قتل القتل.
وقف صاحبنا والسائق عند بيطري مُشخّصين خبر خروف لأحد أصحاب البلدة، والملاحَظُ هو كمية القهقهات التي تعم المكان، وفي نفس الوقت ذلك السكوت الذي يعم حين يسمع بعضهم مصاريف العلاجات. ثم انتقل أصحابنا لدكانٍ ما لاقتناء جبن الأطفال، ليعودوا مسرعين للسيارة.
وبعد حوالي ساعة من رقصات الطريق التي أبتْ أن تكون على ميزانٍ يحبه الناس، ارتقت القطة على ظهر أعلى كيس لتلمح إطلالة لم ترها من قبل، وتنظر بلا حدود، وكأنها ترى لأول مرة.
وقطط البلدة إما أن تكون أليفة، وهذه من تأتي من بعيد- مع ما يكون من قطط نشأت بالبلدة– أو متوحشة وهي أبناء القطط الوافدة. ثم ما تلبث متوحشة المخالب أن تفتك بالدجاج، فضلًا عن ما يكون من حمام استعلى مبيته ومتروك أرخت جناحاه الكدّ، وقد اتخذ بعضها من فرائس تلك البيوت استثناء، فكان بيت الإكرام- ولو بعظم– دون غيره، فتجعله القطط بيتًا تحرصه من فئران وثعابين وتصون فرائسه عن بطنها الجائعة وغريزتها السابقة.
أما تلك القطط الصغيرة من الأم أليفة شبه الحاضرة، فكان منظورهم لها وهي على كدّ وطرد وانعزال. ثم ما لبثت الصغار حتى كبرت، وجعلت من كل البيوت مواطن صيد، عدا أصحاب الفضيلة ممن حفظت ودّهم.
ومن منظورٍ منزوٍ نجد انفعالات البشر وتربصاتهم بالفاتكين، فتجد الرجل والمرأة والصغير والكبير على أهبّ استعدادٍ ليلةَ السّوق، فيضعون شهيّ الطعام للقطط تلك في أكياسٍ انحدرت، ويومئون بودٍّ يكون ويستمرّ، ويبتعدون تاركين الأمان، صانعين بذلك رؤوس أقلام كُتُبٍ في فن الإغواء.
ثم ما يلبث القط ذو الأصل الأليف أن يفتك بالكيس وما فيه؛ فإما أن يرصد ثقبًا منه فيكبر الثقب بخروجه، أو يضعف الذي بادر لرفع الكيس وغلقه، وكأن تلك القطط تثبت بذلك توحشًا زيادة، فليس يغويها الإغواء ولا المكر ولو قوِي. ثم هل ترجع لشبه الحاضرة وهي المتوحشة؟
والتوحش في القطط غريزة وضرورة، والعجب ليس منه، بل من بشرٍ يتخذ من صغار القطط ضعيفة المخالب منعدمة التعلم مرمىً يُلقى به في فيافٍ ليس فيها بشر ولا ماء ولا أُنس. قست القلوب فكانت النساء في الفعل كالرجال، توارث قسوة وصيرورة فتك ووقع خبث بلا نظرة إثم أو أقل.
وتمضي الأيام ويعيش من قطط الفلاة المرمية بعيداً قطٌّ واحد أو اثنين، فيتوحش ويكون ضخم الجثة فيساوي من القطط المعتادة الكثير، فتكثر الأنباء عن بروزه، ويلحق الخوف من يلحق. ثم ما إن تراه الأعين وهو يصطاد أرنبًا حتى تكون بتوحشها الغالبة، فتخطف أرنبه بعدما كانت نفسها عملة التوحش والقساوة.
فلماذا اللحاق بأخباره دون بروز الإذاية؟ وتمر الأيام لتختفي آثاره وأخباره، وتبقى تلك البقاع للإنسان المستبدّ الراحل. وهذا حال قويّ القطط، فكيف بصغيرٍ أغلقوا فمه وألقوه في فيافٍ يقطعها، فلا يستطيع إخراج صوت الغربة ولا الجوع ولا الألم، ويكتفي بحكّ فمه أملاً في حلّ خيوط بعدها أذيتان : أذية القط وأذية الشخص.
فكانت الأذيّة للشخص من جنسين : جنس بشر أرادوا به الفسك والمحن، وجنس قطط كانت وسيلة الغاية.
ومن القطط من ترضى بخبز يومها، أو بيضٍ استوى طهيه، أو بطيخ اخضرّ لونه، ومثل هذه القطط تنام في كل وقت ومكان، بين الجدران ووسط البيوت وفوقها، وهكذا جل يومها وليلها، إلا لحظات ترصد لمخاطر تحلّ، فتكون لها صولات رافعة الرأس مستوية المشية.
وما إن تخرج من صرحها حتى تفتك بها القطط، فهي أليفةُ نزلها لا تُجاوزه، وأخرى جعلت من جوانب محرك السيارة مكان دفء لها، لتبغتها عجلته وعدم فحصه، ليكون بذلك لروحها سافكًا غير عامد.
وقصص القطط لا تنتهي بدوام خلق الله لها : {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم}.
.png)