عطف تطوان
كلما استنشقت الهدوء والعزلة تضرب لي تطوان في ذاك سهمها، وكأنها تقول : عطفي معك حيثما حلّت بك المُهج. وتطوان هاته مدينة كإنسية ذات جمال وجاه، إلا أنها غلبتها الحكمة، فكانت ذات المعنى انبثاقاً من ذات الصورة، وللجمال ذاك سبق تاريخ لازالت به حاضنة، فأسوارها وبقية مآثرها ما هي إلا عربون من أمجاد خلت.
أجدني المتعلق بنظرةٍ منها من على جبل تغطيه السُّحب : أحقّاً أنت جماد، دورٌ وأسوار؟! تعطف عليّ بكلام تفرّق مغزاه، فأجدني المبصر لبعضه في كل حين، وأجدني المحتفظ ببعضه مع كل شوق وحنين.
أخطف قدَمَيّ من بين تلك الأشجار من الجبل، وبين خطفة وأختها أجدني الناظر لمدينة انفرد بها الجمال حين انعدم المنافس، فكلما غابت الشمس بزغت هي تحاول- مع بث بهيتها- بثّ ضياء، فهي كامرأة لم تحمل همّاً وسيقت لها مجالب الاطمئنان، فكانت ذات سحر وريادة، فهي تضيء الليل بما ناسبه من وقار وسكينة، وهي معه على تدرج حتى تسكن به ويسكن إليها.
هناك ومع سيارة الأجرة التي أستقلها، وكأني أعاتب مني القدمين، أسائلني : ما بال عوالم سكنت مني التفكير والخيال؟ فكانت تسابق الثانية بأضعاف، فأجدني الحالم المستيقظ الناظر في شوارع تطوان وكآبة أن إلى لقاء بك.
تجارة بيض
لم أكن بكامل الدراية-حين كانت خطاي على مشيةٍ الإهطاع– أن الزمان في لتوّه قد أعلن الانطلاقة.
الفكرة كانت من أخي المهدي ذو النخوة والأصالة، وقد دلّني على محلّ والده -الذي يبيع البيض- حيث يبيع بيع جملة، فتتوافد وفود الباعة الجائلين شراءً منه. حمّلت تلك العربة ذات الجرّ اليدويّ بمساعدة العامل هناك، وقد كان يُلقّنني أساسيات المشي والجرّ والبيع، منها ما ذكر لي ومنها ما أقرّه حين كنت على العمل والانطلاقة.
توكّلت على الله وانطلقت ماشياً، وسُرعان ما بادرتني الأصوات : كم يا صاحب البيض؟ فكنتُ مع لقبٍ جديد اكتسيته حين كنت مع البيض!
تُحذّرني الحواسّ كلما أردت الوقوف، فلا أقف حتى تقف عيناي، وبين حين وآخر أنادي بصوت كأنه خرج للدنيا حينه : بيض، بيض.
وصاحب البيض متى ارتفع ثمن منتوجه قلّ ربحه وازدادت خسارته، فربح من ذي درهم مقبول المعنى والأثر، وربح من أكثر من ذاك محض جدل وجدال، فذاك ثلاث وذاك اثنان، ثم إن خسارة ذي درهم ليست خسارة الأكثر منه!
وحاصل التجارة هذه بركة ما استقرّت فيك نفس القناعة، ثم لازلت مبتسماً مستبشراً استبشار من يبتاع منك وذاك حاله، فهي قلوب من بعضها تُسقى، وليس شرطاً في ذاك تقلّب نظر ولا مساق غير ذي مروءة.
ثم إنك حيث حللت بالسوق حللتَ بمجمعٍ لذي صبر، تحتاج فيه مسايرة المكان وقذارة الاستبداد فلا تلبث ذئاب الدراهم حتى تقف عليك في السوق ولو قلّت لك البضاعة.
ولأن الأزمات تحلّ بك في كل تجارة، صادفتني خالي الوفاض قليل الصبر متعطّش المال، فكنت مع البيض على انقطاع آخذاً من ذاك كثير تجارب.
وما حملني على ذاك بعد قِلّة الصبر قِلّة الحاجة، فالعربة وما تشمل من بضاعة كان جلها على اقتراض، وأنا متى كنتُ لنفسي كنت أكثر حرّيّة ومِساحة، فلا عاقبة يعيقني بها تفكير العِوض، ولا شحنة سلب حين الأزمة، ثم لا منادٍ ينادي أن لازلت أنت من الدراهم صِفراً.
المعمرون
لكبار السنّ ديدن ما تنفك عنه الخصال، فكلما جالست واحدهم كنت معه على نعيم الحرف والبيان، فكان كلامهم حكمة، وبسطهم تجارب.
وللكبار ممن رأيت قناعات ما لبست رداء الأيام، بل غالبت كل حادث، وأذكر بأني وقفت يوماً على عجوز بائعة، فنظرت لعربتها الصغيرة مبتاعاً بعض الحلوى، ولست أريد إلا واحدة فلا أجاوز لغيرها، فدفعت لها درهماً، وليت معي أكثر!
ناولتني الحلوى، فأخذتُّ واحدة أو اثنتين، ورددت الباقي، فكان منها الرفض الجازم، ذكرت لها عدم الحاجة، فذكرت لي عدم الحاجة، فكنت بعدها مع نفسي على تأمل في معنى القناعة.
التين الشوكي
قد يعاني النبات فييكي ويُقام له الحداد، وتكتسي عِداه الأبيض مليء الدم، هو نفسه ما وقع للتين الشوكي حين أبى إلا اغتيال الحشرة نفسها التي اكتست البياض، فكان أن سقط وكثر بواكيه، ولكن ما اكتفت حتى تخرج القرمزية للناس وحاجاتهم، فكانت بذاك الملتصقة بالشيء وليست ذات انفكاك إلا واتخذت من موضع الاستراحة مفنىً، وليس لصاحب الدرّاجة أن يمرّ دون التهافت، فكانت بذلك نعم العدا ونعم البواكي، فهي قاتل يفنى لجلسة، فلا يستطيع بعدها الرفع.
وأما التين الشوكي فغادر كمطرود، باعدته الأقارب!
حديث مفترض إلى بلدتي
هلالٌ، فلا لوماً
على من بدا جافي.
هلالٌ، ألا منأَنّ
يُعيدنَّ أطيافي.
صباً فاءَ من غُمْرٍ،
غدا بلْسماً كافي.
وميضٌ غدا رحيقاً،
وذِكْراً لأطرافي.
وعقلٌ، أبا لُحقا،
فلا طوق له كافي.
هلالٌ، أيا أرضي،
جفائي برٌّ صافي.
هلالٌ، أيا نزلاً،
ليُفعٍ أنا منافي.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
