بريدُ المعلومة لأيوب ابن المليح

 بريدُ المعلومة

وقف أيوب أخيرًا أمام باب الكلية. نظر بتأمل إلى كل حرف قد خطّه كاتب اسمها، ثم واصل مسيره ليدخلها، مسلِّمًا على الحارس، ومستفسرًا إياه عن مكان التسجيل.

قال الحارس بكل ودٍّ وابتسامة، - وهو يشير بسبابته-: «من هنا».

وبينما يسير لمقصده، وكله شغف لحياة الجامعة، التقى صديقه فرح، وفرح هذا شاب استقرت معاني التضامن والتعاون لتكون له سمة.

بعد السلام والاطمئنان على الأحوال، سأل أيوب فرح:
– هل أنت تدرس هنا يا أخي؟

أجاب فرح بابتسامة:
– نعم، منذ عامين.

قال أيوب:
– ما شاء الله، كنت ألتقيك في حملات الأعمال الاجتماعية، فلم تُتح لي فرصة سؤالك عما تفعل في حياتك.

وكانت طبيعة الفضول قد غلبت أيوب، حتى ظن عدم استفساره نقصًا.

ردّ فرح بسرور وابتسامة:
– نعم، فقط لم تُتح لنا جلسة نتعارف فيها أكثر.

ثم قال أيوب، مغالبًا لهفته بواقعه:
– أخي، بما أنك تدرس منذ وقت هنا، فهناك احتمالية أن تساعدني في مشكلة.

قال فرح، وبدت على وجهه تعابير التخمين:
– مرحبًا.

قال أيوب:
– أنا شاب له التزامات عمل ومسؤولية، والدراسة بطبيعتها تختلف عن جوهر التطوع مع الشباب؛ فلا تُخصص بيوم الراحة كما نفعل في الحملات.

تبسّم فرح، وقال وهو يبث الأمل:
– يا أيوب، أنا منسق في فصلي، وقبل أن تسأل عن معنى المنسق، تعال لتنظر إلى مجموعتنا عبر الواتساب.

قال أيوب بدهشة:
– حسنًا.

أراه فرح بعض الرسائل التي شملت مواعيد المحاضرات، وما يتخللها من محاور وعروض، ونماذج امتحانات سابقة...

لمعت عينا أيوب فرحًا، وزاحت جبال الهموم من كيانه، ثم قال بصوت مبحوح، غلبته فيه دمعات الأمل:
– إذًا، نحن أيضًا سيكون لنا بريد معلومة؟

قال فرح:
– نعم، وأعطني رقمك لأدخلك إلى مجموعة فصلك التي أنشأتها بمعية بعض الطلاب، ريثما يستلمها منسق مِعطاء من أصدقائكم.

شكر أيوب صديقَه، وتبادلا تمنيات التوفيق وقرب اللقاء.

مرّت الأيام بعد ذلك، وانشغل أيوب بأعماله ومسؤولياته، وما إن يفتح هاتفه حتى يجد الحماس هاجسه؛ فالرسائل الجامعية متصدّرة، وهو ما يجعل شخصية الطالب تبرز فيه، لتكون باعثًا للتحصيل والسهر.

أما منسق فصل أيوب فيسمى محمد، وقد قدمه فرح قائلًا: إن اختياره تم بعناية، لما تتضمنه صورة المنسق من بذل وعطاء وروح تضامن.

ما كان يذهب أيوب للكلية إلا لعرض أو اختبار، وكلما لامس إشكالية في المذكرات أو نماذج الامتحانات الماضية، رجع إلى صوتيات الأساتذة بالمجموعة.

قد صادق في الأيام القليلة تلك رجلًا متقاعدًا من طلاب الفصل، يُدعى مصطفى، وكانا يستقلان نفس الحافلة، فيذاكران طوال الطريق، ليكون التحصيل الخاص بفصلهم بينهم كشجرة اكتمل استواؤها، فحسن منها كل شيء.

وأما الامتحانات، فكانت لحظات بقلب متلهف لها، ثم ما يلبث أن يخيم الحزن على أيوب كلما استشعر أنه ودّع مادة كان ليجتهد فيها أكثر.

كانت لقاءات أيوب بفرح في الجامعة تكاد تُعدّ، لاختلاف أوقات الفصول، فكان لقاؤهما غالبًا في أنشطة نهاية الأسبوع بالمدينة.

سارعت الأيام خطاها، حيث مرّت ثلاث سنوات بما تحمله من جدٍّ وتعب ومتعة. وكان فرح قد استقر بعيداً بعد تخرجه ونجاحه باختبار الأساتذة، مواصلًا العطاء وبث سبل التضامن بلباس المربي والأب المدرس.

أما أيوب، فقد أنهى في نفس السنة آخر فصل جامعي بسلك الإجازة، ولم تمنعه حرارة أول الصيف من ارتداء لباسه الجامعي الشامل. ليبثّ فؤاده دقات متسارعة ترجمتها عيناه الواسعتان كأنهما بحر أحاسيس.

نظر إلى باب الجامعة متأملًا حروفها من جديد، فغمره كابوس مغادرتها، وانفلتت منه دمعات لم تشأ أن تكون حبيسته. دخل باحثًا عن مصطفى، والذي أخبره عبر اتصال هاتفي بأنه سيأتي متأخّراً، وأن لقاءه به سيكون في الكلية.

انتهى بسرعة تسليم الشواهد، وعانق أيوب طلاب فصله، بمن فيهم مصطفى والمنسق محمد، والذي ذكر جميله وجميل فرح بكثير من الامتنان والتقدير، وظل باحثًا عمن وجدهم من أساتذته ليشكرهم على ما كان منهم من جود في العطاء العلمي ومحبة إيصال المعلومة.

غادر أيوب ومصطفى الكلية، والدموع تهطل من عينين اسودّ ما تحتهما، ليكونا على عطاء قلبي خالص. وبعد لحظة هواجس ذات طابع عايشه أيوب لأول مرة، أوقفه أحدهم وهو أمام الباب ليسأله:
– أخي، أريد الالتحاق بالجامعة، ولكن عليّ التزامات الحياة، وكما تعلم فالجامعة تحتاج حضورًا…

أجابه أيوب، وكأن فرح ينبعث منه:
– لا إشكال، فالمنسق… وقبل أن تسأل عن معناه، تعال لتنظر إلى مجموعتنا عبر الواتساب…

نظر المارّ لأيوب بعينين ملأتهما الدنيا فرحًا وأملًا،ثم قال:
– شكرًا أخي.

وبلغة امتنان وشكر، تبسّم المارّ مغالبًا شحوب وجهه، ثم هرول فرحًا كفرح طفل بهدية عيد، فكان انبعاث الحال منه ديدن اللحظة.

سلّم بهذا أيوب شارة التعاون لطالب المستقبل، متأكدًا بأن كل تعاون هو نبتة لا بد أن تُثمر يومًا.






تعليقات