أنجاني ربي
الشاحن
لم يكن ببالي حين وجدتُّ موصلاً كهربائياً، أنّي قد أعيش ذلك، ولم يكن ببالي أنّ تلك الليلة بخلاف الباقي. والعادة أن يظل الشاحن طول الليل فلا أفصله حتى أستفيق صباحاً، لكن ذلك اليوم، وبلا وازع تفكيرٍ أو تسيير، أُغفلتُ عن ذلك فلم أدعه لغده. والغرابة أكثر أنّه وبعد الصبح ما رجعتُ للنوم فخالفتُ العادة الغالبة، ونمتُ على الجانب الأيسر الذي ما إن أنم عليه حتى أختنق اختناقاً خفيفاً، ولم أُغمض عينيّ اللتين خالطتا الظلمة، ولم يبقَ ما يشعّ سوى ما قد تلمحه من تحت الباب ذاك ـ والبادية بغرفها الكبيرة ذات السقف العالي، تزيد الشتاء نسمةً مختلفة ـ ثم إنّي قد ثقلت عليّ الحمولة، فكنتُ مشمولاً بها منعّماً؛ فتداعى كل ذلك لنومٍ لا أكون فيه ذا خفّة. ولكن ما بال الجانب الأيسر؟ وعيناي والظلمة؟
بعد وضعي للشاحن قرابة خمس دقائق، قد لمحتُ مسروقاً من خطفة نومٍ ما يُفزع! رأيتُ لهيباً يشتعل، وتنشأ شرارته قبل الإعلان! كان ذلك منه على بُعد سنتيمترٍ ونصفٍ من الهاتف؛ فصلتُ الشاحن من أصله في لحظة استيعابٍ وحِكم. ثم ما تذكّرتُها إلا وتذكّرتُ لطف الله سبحانه؛ فسبحان ربي، سبحانه! فلا تجعل من شاحنٍ مُشرّدٍ ركيزةَ شحنك وأنت لم تتفقده، ولم تدرِ تركَ غيرك له.
العقرب
الجولة بيني وبين العقارب تكون اثنين مني مقابل واحدٍ منها؛ هذه الحقيقة الظاهرة، وأما ما أُبطن فيكون هزيمتي بالأربعة! فالأولى منهم كانت وأنا صبيٌّ ظنّ كلَّ سوادٍ حشرةً أليفة، تكتفي بسرقة الزيت لا غير. ثم إنّ يومها كان والدي قد أتى بماءٍ على دابّتنا تلك، وكنتُ عند الباب الذي ضاق بحمل الدابّة وما يُحمل عليها؛ فقربت مني العجلات لألقى تنبيهَ المحبّ من الحبيب الوالد. وعادة الآباء في الحب تختلف؛ فكان منه التعبير. ولهول ما قد كان قريب الحدوث هرعتُ وركضتُ مبتعداً، فما وجدتُ غير اقتحام مطبخٍ كان على مقربة؛ فكنتُ عند بابه كأنّه لم يكن مني سلفُ حادثٍ ولا رهبةُ وقع. وإذا بيمين الصبيّ عقربٌ خرجت في سوادها المهيب، ذات حجمٍ تظنّ به أنها ليست عقرباً؛ تحمل على رأسها قرنين، بأيهما أحبّت تفي، وفي خلفها عُقَدٌ كأنها أوسمة ترقية. فكان موقعها عند الباب كتربّصٍ بأول من يحضر؛ والعادة خروج مثلها ليلاً، أو اختفاءٌ عند متاعٍ وخلف بضاعة؛ ولكنها اليوم تخرج للعلن وعلى أول المكان؛ فلربما كان ذاك كمباراة امتيازٍ عند قومها، فتحصل لها الإشادة والسيادة، أو الخسارة والإبادة.
رفعتُ يدي الصغيرة لأصفع حشرتي المفضلة؛ وقد كان حدس العقرب غير حدسي؛ فضربتُها بيدي ذات الأصابع الصغيرة، ولا أدري : أوصلت ملامسها الرطبة أولاً أم ألقت قبلي العقرب التحية؟ وغادرتْ بعدما ألقت للصبيّ لقاحاً في باطن يده. وقد عمّ البكاء المكان، واختفت قاطعةً طريقاً كانت الأبعد، عائدةً لحصنها خلف تلك الثقب؛ ولم تكن كغيرها باحثةً عن أقربها في سقفٍ أو جنب!
وقد وصل الوالد والوالدة من هول البكاء ووقع الصراخ؛ وإجابةُ سؤال اللحظة أنّ حشرتي الأليفة فَسَكَتْ بيدي! وربما ظنّ الصغير أنّ اليد دون غيرها في الفسك؛ فلا دراية له بأن الجسد واحد، والادّعاءات ستصل بوفودها من كله لعضوه المغتال. وقد كثر حولي الحاضرون، فلم يعِ حالي إلا أمي التي اقتحمت خيالي، فأوجزت العبارة، راسمةً حتى مهرب العقرب، باحثةً خلف الستار حتى عن ثقبه!
خرج أبي يرقب وجود صاحب السيارة الوحيدة في البلدة؛ ويا ويل الوقع على نفس والديّ إن لم يكن! والحمد لله أن كان الرجل. صعدتُ معهم السيارة، ولم يحملوني لمستشفىً يقرب، فهو المنعدم، رغم كثرة اللسعات والوفيات من ذوي السموم؛ ولكن في السموم نوعان، أشدّهم غيرُ ذي الغريزة. فذهبوا بي عند امرأةٍ خبيرة، ظلّت يدي بيدها على تدليك ملحٍ حتى زال وافد المِحن؛ وكان ختام يوم الصبيّ شواءً لذّ وأنسى أولى ذكرى الجزع.
ثم إن سائلاً يسأل عن أهداف ذوات السمّ؛ فأقول : مرّةً وأنا في ظهراني قوم أمي، إذ بي أرى الوالدة في منامي قد لسعتها أمّ عريط؛ وحين عودتي أخبروني بصدق ذلك. ثم كانت لسعة أخرى للوالدة، ثم للوالد؛ فهذه أربع لسعات. ولكن هناك الكثير من الأهداف التي لم أجد بدّاً لعدّها؛ فلو عددتُّ كل عقربٍ قتلته، وعددتُّ قتيل والديّ من ذاك، لوجدت الكثير؛ ولكني عددتُّ قويّ الوقع عليّ. وأما عقارب غير ذي الغريزة فهي كثيرة العدد؛ غالبها عمّر، فسطّر من غلّ الفؤاد ما تُهدّ به الجبال.
.png)