الجزء العاشر من كتاب خواطر لأيوب ابن المليح

 نمط الاختيار

ربّما وأنت على طريق المسجد أو العمل أو التنزّه تُبصر أيّاماً خلت تسير بجانبك، ربّما تلمح صبيّاً نقيّاً لازالت الشقاوة تغالبه حتى تطمس فيه الروح، ربّما تراه مزيلاً كلّ شوكٍ أدمى وجهه، وكلّ قيد كبّل القدم منه ببعضها.

ربما تراه وهو يغرق على بِركةٍ اشتعلت على حواشيها النيران، أو ربما تراه يجري غير مبالٍ بإنذارٍ قبل حقل ضباع، ستراه والضباع تنهشه، سيظنّ بأنه المتحرّر من قيد الناس وضغطهم، ستراه ظانّاً بأنه حقّاً ليس الصبيّ المحافظ، بل الشابّ المنفتح، ستراه وقد طُمِس القلب والوقع، ستراه ورمح النهاية قريب، تآكل منه كل شيء ولا زال المباهي بهاتفٍ لم يرفع سواه.

وأنت على طريقك تلك ستذرِف دمعاً وتلقي فؤاداً، تودّ لو تخبره بأنك حقّاً نجوت، ولكنك الغريق كل لحظة، ستودّ لو تخبره بأنه يقتلك في كلّ يومٍ مرّات.

ستلتفت عن يمينك لترى صبيّاً شغوفاً، وعن يسارك لترى دامي الوجه المكبّل، وأنت بينهما متضارب الأطراف؛ فما يجبره اليمين ينهشه الشمال، وقد تسرق من يمينك لقلبك ما به يطمئنّ، وقد يهمس لك الريف  بذكرىً بها تُطرح وتئنّ.

وكلا الطرفين يبكيانك حتى لا انقطاع، فذاك حنين الصّبا، وذاك سقم ما بعده. وحسبي قول المهلهل :  لله ذرّكما وذرّ أبيكما، فهما المقتولان فيك، فتذكّر وأنت على الطّريق بأن الخطى قد تعلق في القلب فلا تغادره، وتكون منك مكانة الحيّ من أنفاسه.



استنزاف الأوقات

الثانية صباحاً إلا ربعاً… وأخيراً أمسكت بهاتفي لأكتب. لم أعتد الكتابة على الحاسوب إلا اضطراراً، أشعر وكأن الحروف تخطف الإحساس خطفاً، ولا يبقى الحرف في كبقائه وأنا أكتب على الحاسوب متثاقلاً لامساً بأصابعي تلك الأزرار الغليظة، فتكون الأحاسيس ذات مهلة أكثر، فتكتب وعنك يُكتب.

قد نمتُ متأخّراً الليلة الماضية لاشتغالي على عملٍ تصميميّ، فوجئت بعدها بمحوه وعدم قبوله، وانصرفت عنه لموقعٍ أريد تصميمه، فكان منه ما كان من التعقيد، فاكتفيت بصفحات سهلة الإنشاء، وانصرفت عنه للكتابة، وهذا ديدني منذ مدة.

فلا ربح مالٍ يحضر، ولكنه شغف للتعلّم؛ ما تجده معقّداً اليوم تفكّ عقده لغيرك غداً.

وقد آنس كوب القهوة الكبير وحشتي، فوجدته بجانبي ممتلئاً كما حضر، أخذته جانباً وكأني أكتفي بسوط الوقت عنه فلا أبثّ منه إليّ شربة.



زمجرة وقزدير

إنها الخامسة صيفاً، وقبل لحظات أصدر الرعد صوت قدومه، كان صوتاً بعيداً لكنه كفيل بالوصول بعد ساعة أو أقلّ، وأحياناً لا يصل إلا بعد ساعات، وما إن قرب ترحاله حتى بدأ يوالي صوته قاذفاً الهلع في قلبي كلما أخذ يصدع.



بعيد ظهيرة

أوقات ما بعد الجمعة بزمان البادية مختلفة، والصيف فيها سيد الفصول، وبالحديث عن الصيف، فها هو گابو قد هبّ وقتها لشجرة ، متأمّلاً في منبع عسل صغير، تحاملت عليه نحلتان وثلاثة، فكان بهيّاً بجمال يناسب الصغار، ربّما شغلته -والنّاس على غذاء ما بعد الجمعة- كينونة الشجرة، وهل ستتكلّم حقّاً كما سمع من الكبار في حديث عابر، فكان الخوف يلامس صدره كلما نظر إليها أو كان منها بجانب.

والحديث عند الكبار حديث الشيء بالشيء يُذكر، ولو كان ممّا لا يُذكر في حضرة طفل واسع الخيال، ولكنّي يوماً وبدون قصد الاستماع سمعت مجمع كبار يحكون حكاية أرعبتني سنين، فليتني ما سمعت وما كنت مقبلاً عليهم.

وإن حديث الشّجر هذا حديث بين يدي الساعة، فأخذت منه مأخذ قربها فكنت أنظر لها واقعةً وأنا طفل.

مهلاً، إنها دجاجتنا ذات الفراخ قد اتّخذت مشية المبيضة، وستبيت الفراخ متداخلة فيما بينها مومئة بأجنحتها على بعضها، وإن حصل من الدّجاجة أُلفٌ قد بقي فإنها ستكون الحاضن لليلتين أو ثلاثة، والعادة أن تتركهم يوم بيضها، وربّما ظلّت معهم أيّاماً وهي المبيض.

وبعد الجمعة قلّ أن تبيض دجاجة مداومة، إلا غائبة الغد، فبعد الظهيرة تبيض التي تغيب في غدها عن البيض، وهي نفسها تبدؤا المبيض بعد غيابها في صباح باكر لتنتقل بين الأيام ساعة واثنتين حتى تكون على غياب.

مهلاً، قد زالت الشّمس من مستقرّها وأرخت قليل حرّها، فهلمّ بالأكباش لترعى، وأنت أيها الكبش تعال وكن لي الخصم، مهلاً سألعب بيديّ على ناصيتك لتكون أليف الضرب، وإياك وأن يراني أبي، سأكون على ورطة.

فكبش يستعمل قرنيه للضّرب جدير بعدم البيع، فكيف يمسكه المبتاع بغريزة نطح؟ وأذكر أكباش أبي السمينة، والذي كان أول من يبيعها بدوّارنا بثمن مرتفع لما فيها من سمنٍ ونقاء دم.

أذكر يوم كان أربعة رجال أقوياء يحاولون رفع كبش منهم للنّقل قبل أن يرفس الجميع ليفرّ راكضا متخيلا.

وأذكر أذان العصر الذي أسمع من جهازي الصغير بسمّاعتيه الرقيقتين ، وها هو الرّاديو بعد انتهاء الأذان يبثّ النّشرة الموجزة.

وهناك جانب حجر نجد صغار طير قد تشدّقت أفواههم ولمّا تُفتح العيون منهم، منتظرين أمّاً وأباً ساحا سبباً في الرّزق.

مهلاً، فالأكباش قد اختفت، وإذ بها على وادٍ آخر لحسن الحظّ قد اكتراه أبي قبلها، ولسوء الحظ فالحقل ليس للرّعي بل هو مما يُستقبل للحصاد وعلى عناية.

أوه والماعز! المناطق من أعلى منكشفة ولاأراه، فما هي إلا أنها طوت الأرض واختفت من سردابها.

ووالدي لا يشتري إناث الغنم بعدما قد لازم الجفاف قطيعاً كبيراً منها اشتراه ذات عام.

ومساءً بعد صلاة المغرب ها نحن في بيت من بيوت دار الفقيه نراجع القرآن، حيث لم تدخل الكهرباء بعد لدوّارنا، فيكون الليل للسور من محفوظنا القديم، جالسين محاذين لبعضنا، كلّ يستفتح محفوظَه.

وما إن أعد مع ابني عمّي حتى أجد والدي -الذي من عادته كل يوم الجلوس مع جدّتي وقتها- متكئاً لأشركهم بهيّة الجلسة، وها هو النوم يحلّ بي متعباً، فأراجع أفكاري بعد أذكاري.

فأراني وأنا ابن ثمانية عشر عاماً رجلاً قد تزوّج وكان مِقداماً، وليس ببالي حينها فكرة همّ ولا قبح معصيةٍ، ولا دوران زمانٍ، ولا صعوبة عيش.




تعليقات