رحم الله أبا حامد الغزالي
رحم الله أبا حامد؛ فمع الستّ منه كثيرُ أعوامٍ منّي، وقد لا أُدرك مقاصد المنتهى!
إنّ الحقيقة الظاهرة، والمعرفة المُشارة، أجدني فيها طالبَ الملامسة ككلّ؛ فعقلٌ وإحساسٌ وبيئةٌ وآراءٌ أبعد من وقع هذا المخلوق المسمّى إنسان.
وإنّ إحساسًا يُخفيك عن الحقيقة ويُخفيها عنك، لمحض عاقٍّ تسري دماؤك له مزوّدة؛ والعجب منك لا منه! فكيف بشيءٍ وهبكه الله أن ترتخي في كلّ ما يضبطه؟ بل وتشقى به وتُشجّعه!
فرِجلٌ لو تكلّمت لجعلت تطلب الغدوّ للصلاة، ويدٌ لو تصرّفت في ذاتها لاختارت الشلل من بطشٍ أقلّه التفاهة، وعينٌ تُمدّ بلا ضابط، بل وتتصرّف لجديرة بجحود، بل أن يغلب منها البياض فتُطمس، وأنفٌ اعتاد روائحًا كريهة السجيّة والوقع لجدير بأن يكون العاقّ الذي ألف ما أرشدتَّه له.
فأنت سيّد حواسّك، وبها تحاول النهوض في حرب الشيطان ونفسك عليك؛ وأمّا العقل فيك فذلك محضُ مُربّىً، ألا ترى أنّه عند كثيرٍ ملكُ التصرّف، والمستجيب لمتاهات القلب إلّا أن تلمزه مصلحة؟ والمستمدّ من الهوى يدًا تبطش، ثمّ لا تراه عند حياة القلب إلّا خادمًا وهو صاغر؛ يستلذّ بأمر القلب، فهو الطيّب حينها.
ولكن نولّيه من الأبعاد ما نجعله سالف الذكر؛ تلك الأبعاد نفسها هي التي تكون إرشادًا من الخالق؛ فلست تختلف عمّا يُصنع من الدنيا، فالفرق بين المخلوق والمصنوع لا يستقيم؛ فتلك حياةٌ ومعجزات، وتلك من صنع المعجزات.
فكما للمصنوع بطاقةُ إرشاد، فللمخلوق مثلها؛ وهي خُلقت فينا، ومع طيّ بساط الأيّام تكمن في جانبٍ منّا يحتاج ليقظة؛ وما ذلك إلّا بغواية البشر وبطشهم في بعض، حتّى يكون الجيل بعد الجيل على أبعد الإرشاد.
وبطاقة الإرشاد ـ كما أسميتُ اصطلاحًا بيننا لتتّسع مردوديّة الفكرة ـ قد كانت ولا زالت مفعلة عند كلّ المخلوقات، إلّا كثيرُ إنسٍ وجنّ؛ فهي الأمان والاطمئنان، ويكون الثقلي معها في موضع تفقّدٍ لذلك الوازع الذي يشعر به كلّ حين.
ثمّ لا يكاد تشويه فطرته يزداد عنده من الفاعلين ذلك، حتّى ترمقه البطاقة يومًا وهو يسمع أو يرى. والعجب من فطريٍّ يُخفي تلك البطاقة، بل يكذب معاديًا حواسّه، لا لشيء، فقط لأنّها مفتاح التذكير؛ فحيثما كان من الأسفلين، كانت الإنذار المحذّر والمغيث المنذر.
إلّا أنّ صاحبنا يستبدّ بمملكة داخله، فيقوى على ضوء الحياة فيه، فيقطع عنه كلّ منعش؛ ثمّ لا تجده والبطاقة على تصاعد، حتّى يشنّ الشيطان والنفس حملات الغواية، فلا يكون المقاوم ولا حتّى المحاول. ولو نظر للبطاقة لأقبلت عليه المسرّات وما تجلب، ولكنّه مثلي ومثلك ننسى بأنّ لنا خالقًا يُنجينا، بل ويستجيب ويُكرمنا في كلّ ضيقٍ ومضرّة.
وها هي الشدائد تُقبل، فلا يرى إلّا البطاقة فيريد كلّ تيسيرٍ بها؛ ثمّ لا تجده تخلّى ليتحلّى، ويدعو ويسأل : لماذا لا؟ متناسيًا : «ومأكله حرام ومشربه حرام، أنّى يُستجاب له»، فهو غير مُلمٍّ بفقه الدعاء وما فيه.
فقد لا يفقه ما وراء دعوةٍ– تكاد تُهلكه وقائعها- على أنّها رحمةٌ من الله؛ بل ينساها من أوّل وهلة، ولا ينظر : لماذا لم تُستجب؟ فيُراجع النفس والمعصية والهوى والكسب والمأكل والمشرب والمظلمات، وينسى بأنّه دعاها، أو يتناسى حين تبرز له المكائد؛ فلا يحصل له فقه الاستيعاب ولا التأمّل.
ثمّ تجده في حينٍ آخر، وقد خلّى وحلّى، وبانت له النعم، مُدبرًا عن الشكر، ناسيًا : {لأزيدنّكم}؛ فأين همساتك وأمانيّك بحاجتك قبل نيلها؟ بل وأين فرضك ونمطك المنضبط؟
فبعد نيل الحوائج نترك الصفّ الأوّل في الصلاة، بل ونكون على سبقٍ فيها، أو نقص خشوعٍ أو زواله، أو نكون على تفكيرٍ في النعمة في الصلاة؛ ويتعدّى الأمر لأن تُجعل النعمة معصية!
فتُطوى للحاجة، ليُفتح مختزل المعصية؛ فبئس السيّارة، والمشروع، والأرض، والمنصب، وغيرها من سلسلة النعم التي تجرّدت فيها مظاهر النقمة والعصيان!
تغيب المعاني فلا يُدركها المكتفي بما جمع بين يديه من صالحٍ وطالح، ما لم يكن صالحاً على طالح؛ فليس التّحلّي إلّا بعد التّخلّي.
فمن ذلك السجايا والأخلاق؛ فكلّ من آوى ليتخلّق خلّى سقيمه تفاديًا للاضطراب؛ فيستصغر مثله، أو يستحقر، أو يتناسى دوالّ الودّ والخلّة. وأمّا إن أخطأ، فأنت الخاطئ!
وأُلفُ الاضطراب ضعيفُ الملاذ وبئيسه، والقناعات الخاطئة ـ ولو اشتملت بشملة التخلّي ـ ففيها من رقع التحلّي ما تسرّبت منه الفلسفة المحايدة.
ولم تكن الفلسفة يومًا مستقلّة، بل هي تابعة للنشأة وانعكاسٌ للمحيط؛ لهذا تجد في الفيلسوف نفسه ذلك التناقض، فقد يُصرّح بالاستقلاليّة وهو محض تابع.
فالفلسفة في بدايتها ولبّها وعاقبتها شخصنةٌ لا غير، ولو لامست توسّع النسب؛ وأقرب ما تكون لما سيقت له حين تنبعث من الدين ذي الصفاء، فيكون أصل تعمّقها؛ فهي وفق دليل الذي خلق النفس سبحانه.
وهذا ما لا يُدركه الغير البتّة؛ فهي تتأبّى على ضبابيّ الوجود، ومنفذ الهواء، ومتنازل القيم.
وكم فيلسوفٍ لامس القمم فبدت منه سخافة؛ فذاك التهافت.
وأمّا متعالِمو الزمان من أساتذةٍ تلبّسوا اللفظ لا المعنى، فهم أطفال المدارس؛ ركبوا صرح رجم الدين بألفاظ الترجمة المتهاوية، والتي تنبعث كثيرًا لغير ما سيقت له.
فذاك قد ركب شخصنة من لا دين له ممّن لم يعِ حالته، وساق نفسه مساق مريضٍ نفسيّ بدت منه سفاهة التهاوي؛ فليس له من جملة اللفظ إلّا سينٌ وفاء، فذاك الفساء!
فهو بلا ظاهر عقلٍ ولا ترجمان حرف، ولا يكون لمثله الحشو ولو تعوّذا.
وأيّ فيلسوفٍ لامس قممًا بفساد خُلقٍ وقمعٍ لعقّال الأقسام؟
وأيّ فيلسوفٍ يترك للطالب كتمانًا ونكرانًا غالبين عليه؟
فهل يُحاجّ الطالبُ المتنطّعَ، أم يرضى بالسكوت لنقطةٍ عابرة؟ فصلاحيّة المستبدّ تتجاوز الحماقة، وهو أو هي وراء الصرح ترّهاتٌ وبهيميّة؛ فهل من عاقلٍ أو صاحب فهمٍ يلمس الحضيض ليصل الأفق؟
ولعلّي فيما بعد أذكر صورًا واقعيّة لتلاميذ هاته الأقسام، أحكيها بلسانهم وحرفي؛ فقد كتم المستبدّ حروف جلّهم، فما استطاعوا إلّا أن يوقفوا التفكير حين غاب منه التفكير؛ وتلك مرحلة الانتقال والاستزادة، لا مرحلة بثّ باطلٍ في نفوس شبابٍ يريد أن يتعلّم؛ فتأبى فطرته وسخ المفسيّ النفسي…
