الجزء السابع من كتاب خواطر لأيوب ابن المليح

 سن الكبار

إن سنّ الكبار ذاك الذي أطلقته دوماً على شباب عائلتنا، وجعلته سِمةً لرشدهم، هو نفسه اليوم الذي أعيش وسط محياه، لكن لا إثارة فيه كما كنت أنظر وأرقب.

ربما فواصل السنين تلك بأمانيّها كانت تجعلني أراه كذلك، لكن ما أنا متأكد منه فعلاً هو أنه فعلاً سنّ الكبار.

لا أزال على قناعتي هذه، رغم رداءة الفحوى الذي تخيلته سابقاً، فلا يزال الشيطان والنفس يلعبان لعب الاختفاء والمباغتة، ولا زلت أشعر بالطفل داخلي يلتمس جوّ أمسيات "اللوح المكسور"، وكيف سيُجبر بسلك وثقب.

لقد مضى من العمر نصفه أو أكثر، أو ربما لم يبق شيء، أو ربما يكتب الله عليه التعمير فأكون بأرجل خمسة تحملها رجلي الأطول… ربما أكون مرعب الصغار إن بقي في الفطرة صغار.

لكن لا حرج، فالأفكار تتغير بتغير نمطية التصور، فتغييرها يعني أمنية أخرى تتلبس بها نفوسنا وأجسادنا.

فالنفس، ما دامت نفسك التي فطر الله، فستكون أنت أنت إن شاء الله…


الهموم

قد يتكلم الناس للهموم والخصومات ومثلها، فينتجون - إن لم ينسخوا- أقوالاً عن الثقة وطيب النفس، مدحاً للنفس وغيره مما لا أراه جديراً بالذكر، لعلّة كالاغترار والتكبر والأنا، أو لعلّة عدم التفطن، وكله يفتح ثغر جدال مع نفسك ثم خصيمك من صديق وغيره، وذاك رأي أختصُّ به.

فربّ رشقة طائشة تكون تفكير سنين، وكل هذا ذكرته لما أراه من منشورات لكتاب وغيرهم، فاتخذته توطئة.

والمتأمل حقاً بعد كل مصاب هو جليس نفسه، الذي قد يختلي بها فيرى ثم يستخير.

ثم إن بعض النازل فيه من المراتب ما لا تستطيع معه حمل قلم ولا تحريك فكرة، إن هو إلا استغفار وتبسم، وذلك الرضى حقاً.


انجلى الغبار

انجلى الغبار ليكشف الجدّ من الهزل، والكسرة من السكون في لفظ الهمم…

انجلى وبساط التحدي مظروف في زمن لا كالزمن، كأن الواحد منهم يفتح بوابةً منه فيستغرق زمنه المذكور.

دقات القلوب اعتادت لدى البعض واقعته، وأفئدة أخرى تحتاج لحافز البداية والجلسة والنظرة.ولا شك بأن الزمن ذاك اختبار يعتريه اختبار حين بدء الاختبار، فعالم النفس وتعدد قواها يشهدان تضارب الأمانيّ وربما التنازلات، فهو بسط لحياة المسلم وما قد يلحقه حين الحساب، غير أن الفارق فارق.

وهناك على الطاولة نفوس ختمت عامها، وبدأ تعَب الموالاة يكسو الملامح ولربما الحروف من الكلام، إلا أن وازع المعاني يأبى غير الإكمال ورؤية شيء مما كان بإذن الله الواحد الديان.

وإن حدثتك عن ليلة ما قبل ذا الزمان حدثتك عن سنين تُعاش، تختزل الوقت لتكون أكبر من الوقت، وما يضفي على أنها من الدنيا شخصيات التصورات وكذا تغير الجلسات.

أما من عاش هذا من أول رمضان فقد عادل عمراً من المعمرين، ونال من سرعة الزمن الواقع ما يجعله خرّيت قادمه، والحمد لله رب العالمين.

انبعاثات النافذة

النوافذ ارتسامات تغيب عنا إلا للحاجة، فلن نضطر في القرن الحادي والعشرين للتأمل في ما بعدَها إلا لحاجة طارئة، كمجيء ضيف طال انتظاره، أو أنين سكير باغتنا ونحن على الحلم الثالث، أو تهوية المساحة.

ولكن هل رفعنا يوماً ناظرنا إلى السماء وما جمعت من أصناف طيور وسُحب، ومسير شمس وغروبها، وهل نحن على دراية بوقع الكتاب المنظور هذا بالإنسان وقلبه؟ فالتأمل هو كتاب منظور يكون للروح سقياً.

فأنت والهموم من كل جانب… افتح مصحفاً، ثم قم وانظر ماذا بعد النافذة، راقب خَلقاً كله بمقياس منضبط، سترى الطيور تمر كل يوم في ميعاد محدد، وبأسلوب محدد، ويقف منها من يقف في زمن محدد، وغير ذلك من سجاياه التي جعلها الله فيه.

فالغراب صاحب المَثل في القرآن، ستجده مساء كل يوم مع بني جلدته على ضفاف الأسوار العالية، يجتمعون بأعداد تجاوز المئة، ولن أستفهم عن وجوده في الحاضرة - وهو المختفي عنها طوال اليوم- ولكن في يوم كنت فيه ذا همّ وثقل، لمحت من طابقٍ ثالث غرباناً لا تجاوز العشر مجتمعة، فذهب الكل عدا واحداً، فقلت:  ذاك أنا لغربته، ثم رجع واحد واثنان، فقلت: هما صاحباي محمد والجامعيّ.

وهو حديث مع نفسي غلبني فيه الهمّ حتى قلّ التعبير، ثم كنت قد مثّلت بهم كأنهم نحن، وسنرحل ولو بقي منا من هم خلفنا فهم على نفس الركب يرتحلون.

ثم مضت الأيام، وكنت على نفس الوقت أرقب ما بعد النافذة من سماء، وهناك على تلك الأسوار العالية التي لا أرى غير ما تنطح به دنوّ استعلائها، لمحت الغربان تتوافد، فقلت: عشرة ويجتمعون ثم يرتحلون كالعادة، والمدينة منهم خالية طول اليوم، فطبيعي وجود هذا العدد القليل، فليس هناك من غرابة.

ثم ما زلت أنظر حتى اسودّ سورٌ من تلك الأسوار شيئاً فشيئاً، فكانت الغربان عليه بسوادها راسمة أُمّةً لا تضاهى.

ولازلت أنظر بغرابة، وألمح ما يكون بعدها، فليس هناك عبثيّة في المخلوقات البتّة، فسبحان الخالق.

وبعد قليل من ذلك تفرّقت الغربان على باقي الأسوار، ولازالت الوفود تأتي بقلّة فتكون مع غربان لازالت على ذاك السور، ولازالت أُخرٌ ترتحل لسورٍ آخر لا تزدحم فيه ازدحامها الأول، ثم يخلوا ذلك السور الأول الذي جمعها، لتخلوَ الأسوار الأخرى بعد ذاك بهنيهة، ثم لا يبقى إلا قليل من تلك الغربان، والذي بدوره ينصرف فلا يكون آخر ما أرى كالسابق.

فكان اجتماعها بعد ذلك اليوم يتكرر في نفس الوقت والحين، كاجتماع يوم تُحاسَب فيه بقدرِ مسؤولياتها من تضامن وصيد وغيره، فلنا في كل شيء عبرة فلنتذكّر.


الانسلاخ

الانسلاخ مادته حقد دفين الانتماء، هو درجة أعلى من النفاق تتضمنها لكنات قوم يجيدون الميزان بمكيالين، أبرز سماتهم أنهم يلوكون بأزير ألسنتهم الحق لأجل باطل…


ليت في روحاً تنتقل!

فليت في روحاً تنتقل بهذا الجسد لعقبة الشيب، فلو عشت لحينها فلماذا أنتظر قادماً ولا بدّ، لماذا لا أتمنّى كوني ذلك؟ هي دنيا الأمانيّ، وكيف أفرح بنعيم زائل ولا بدّ؟ أم الجواب في نفسي حيث لا ألتفت! أيكون في روحي وما خُلقت له، ونفسي وما بُثّت فيه، وقلبي وما سكن به؟

إن أفضل ما تُعاش به اللّحظ قلبٌ تفطّر، فطريٌّ لم تغيّره العواصف، وظل يهتف بالسلام ما دام على أصله، فسُقياه آيات بينات، ومحياه من ضنك العيش آيٌ ودمعة.

فهو وإن مضى الوقت علم أنه في إثر الزرع وانتظار الفراغ، فإن انقطعت منه الروح قبل الشيب فقد فرغ، وإن انتظره الشيب فبعده قد فرغ، وإن بغتته الساعة فقد فرغ، وقد كان قبل الفراغ تسعد به الأوقات.

فهو بين طلب العلم والعيش، تَبكيه الدنيا حيث تراه المطمئن جاءت أم أبت، تنظر في كثرة خطّابها فلا تراه، ثم تنظر في القرار من النفس فتراه وشبهه، تريد منه تهمة النهب ولا بيّنة، وتسعى له فلا يرى، وتهمس له فلا يسمع، لترجع ورداء الازدراء لها شملة، فنعم مغتنم الأوقات متزن الانضباط.




تعليقات