نظرات التّائهين
نظرات التّائهين لمياه المطر الجارية كالكثبان، أو المعانقة من أعلى بالأحضان مع أرض ارتوت وجادت بتسرب طرقي، نظراتهم لذلك نظرة لامبالاة، وداخلهم عالم بأرض واسعة وفكر متنقّل، لا يستوعب منهم الواحد خارجاً بهيجاً وكتاباً منظوراً، بل لعلّ الواحد منهم جعل ذلك مساوياً لخبثاء البشر ممّن لوّث البلاد والعباد بورم الجهل والغلّ والمهانة والسحر والجبانة، فالأرض وما احتوت عندهم خليط مع الخبثاء.
فتلك حاضنة الصبا من أرضي ما رأيتها سنين لخوفي من واقع رأيته في ، وفي المعارف قذفات ودّ من الكلّ، وتبرز الأسحار فممّن؟ فذاك معلّق الأشجار عند باب النُّزل، وتلك أخت قد أرهقتها الدّواخل حتى ولّت الجسد المتهالك، وتلك الأمّ قبلها وما لقيت، وذاك الأب وما أفلس حتى عاد من بعد القُطعان صِفراً.
فتحنا قوساً جديداً من بعيد فتبعتنا رماح الألفاظ ببخارٍ قذر، فمنهم من نادى أن أحمق القوم ذاك ما ذهب إلا ليعمل فما باله يفعل ويفعل، ومنهم من نادى قبلها حين وهبني الوالد مالاً أن أُعطي ما أُعطي لأحمق! وكأن والدي وأنا ملك لأراذل الأقوام، فيُعبث بنا.
وكنت التائه حين كنت قبلها مجنون القوم وأحمقه، فعشريني يحمل فيه بساط عمرٍ يضاعفه، فالكثرة من الوقائع والعثرات ثم الإذايات رسومٌ رست مراكبها على قلبي فلا تغادر.
لست أُرجع ذا لكيد من كاد في المسبق، بل لضعف الشخص منّي والسذاجة، كنت يوماً طالب علم ومن سلّمي سبع عشرة سنة، وكنت لا أعرف في جلّ معرفتي إلا شواهد ابن عقيل على ألفية ابن مالك، وكنت كلّما بدت مني الغجرية ألِج لامية ابن مالك وصيغتها العجيبة، فيضحك مني كل من سمع من عمّالٍ يحاذون نزل دراستي.
وفي خضمّ النّعيم كان لي صديق سوءٍ أقبل منه الأعذار وألتمسها، كان صغير الحجم بحجم يدي، ولكنه الأنانيّ حين تحضر السذاجة، فكان المستحوذ على يوم راحتي الذي كان به يوم الشّقاوة، من اللّعب به طول اليوم إلى رسم خطط للّعب على حواشي الألفية طيلة الأسبوع، فكنت المكابد؛ فهي همّة وعلت تستوجبني المثابر، وإن هي قصرت تستوجب مني المدرّب التائه.
الحقيقة أني رسمت أولى صور التّيه مع صديقي الساذج، وحين مددت يوماً يدي لدرج السّلّم التاسع عشر سمعت منه بكاءً يضاهي الأثر على نفسه بغيره، فكان صديقي يريدني أن أكون صديق غيره ممن تذاكى أضعافه، فكنت الأسير بينه وبين جديد أخذت له من نفسي كل منبت جدّ ونهوض.
وإذ بالأيام تنادي أن لفلانٍ الساذج تداول المتاهة، ولعقله المذلّة ولقلبه حبّ العدوّ الغاشي، فذاك سطو الهاتف أسوأ من تجالس!وبعد الطّلب ونعيمه كنت المستلذّ بكرة حبيسة الملل، ومشاهدتها حبيسة الأعصاب والكلل، وكنت بعدها في مظهر الخارج كالدّاخل، سفيه الفكر والأمانيّ، أسمع بين حين وآخر سجيناً في داخلي البعيد ينادي بأصوات لم أفهمها، ولكن أعرف أنه ينادي، وأخاف انقضاضه عليّ إن أنا أجبته، ألتمس منه السكوت الأبديّ أو الفرار من لهيبه لأبعد.
أخاف أن أكون هو، بل أشمئز أن يكونني. أصبحت لا أحتاج من صديق السوء إغواءً، فكنت المكتفي في ذاك عنه، أمسكه لأطمس كل ما كنته يوماً، فطفل أو يافع أو شابٌّ منّي يعني قشعريرة اشمئزاز وتنكّر، أسارع زمان لحظتي لمسح ما أجد من مخلّفات كما ظننتها.
لقد كنت قاتل نفسه حين غاب بروز العِدا.
لقد كنت الخُبرة لمتاهتي، فقد غيّرتُ مراكبي مرّات متناسياً أني كنت على المركب الموصل، فكنت مع ألفاظ الفلسفة مرّة حتى تصيبني ثخمة اللاتجرّد، ومع الأدب اللاتيني حتى تبعدني المروءة عن قراءة كل تفصيلة لا تصلح، ومع التّفاهة حتى تصيب ديني فيأخذني شيء عنوةً لأبتعد، وفي كلّ مرّة أُولّي ظهرانيّ لأصل لنقطة المفترق، وكل مرّة لا أنظر لطريقي الموصل!
بعد سنين أخذت أقشعرّ من كل ما مرّ وأمسح صوري…
أعيش ثم أقشعرّ.
مروءة عاصي
وامولاه، وربّاه، واغفوراه، واعفوّاه، عبدك الآبق بين يديك يرجوا رحمتك ويخاف عذابك، عبدك المقرّ بدنوّ أجله في دنيا الغواية، والمقرّ بتقصيره وبعده، عبدك الذي خلقته وكنت له في البطن المظلم الراعي والمطعم.
عبدك ذاك الذي ربّيته وكبر بعدها ليعصيك، ناكر الجميل، وناكر حقّ ربّه، والجاحِد لنِعمه، رزقته كل عافية فماطلها بمعاصيك.
نفسه الذي ينام حين يستيقظ العباد والمهموم الذي يناجيك، عبدك ذاك محض ناكر يا ربّ، يناديك : يا خالقه، يا رازقه، يا مربيه، يا سيّده، يا مولاه، يا حافظه، يا سميعه، يا بصيره، يا من معه كل وقت وحين، يا رحمانه ورحيمه.
يرجو عفوك يا عفوّ يا محبّ العفو، فارحمه واغفر له وارعه يا ربّ، دنيا الغواية ونفسه والشيطان عليه في تحالف، فارزقه يقظة خشيتك واستحضار عظمتك يا خير رازق.
أفاعيل ذوي الأسحار
قل لمن استفحل بالأسحار، فقويت أنامله وبثّ خبثه أذيّة، قد كان ذاك حقاً، فلمَ؟ ألنعمة على ذويه أم لبؤس فيك؟
تحرّكني النظرات ورائي لألمح السّهام تمكر لتفتك في لعبة الدنيا، وإن المعاني عنهم لمُحجبة، والمساعي لموجبة للشقاوة بمكر القلوب وعضالها.
زئير عروقي
ثم هل تذكر زئيري في صمت، حيث اكتفت الأعين برسم الحكاية في الداخل، وكانت الأعضاء منشغلة -بأخبارٍ منها- لا تُبثّ للخارج، وزئير من الأعضاء يتركها المرتخية لهو زئير غريب، فكيف يكتفي عضو بنظرة المشاهد لهلاكه؟!
وتلك الأعين نفسها تسيح في عمق دون شخوص شرارة تنبعث لتحرق كل من يتسبب.
وما بال الشفتين تحاولان الهمس كطفلٍ أصابته قذيفة ظالم؟ وما بال شرارة الداخل لم تلامس القلب.
لقد تغيّر مثل هذا، وبقي فيه منه…
مسلمات المِهن
للدّنيا عادات عامّة يدركها الكلّ حتى ما لا يعقل، كإدراك البهيمة أن لا مخرج لها من بابٍ أُغلق نصفه إلا بالقفز… وهناك معارف مسلّمة بين البشر والجنّ كما يكون من اللّبس وغيره، وهناك معارف مسلّمة بين البشر كمرئيّة غريم الثّقل، وهناك معارف مسلّمة بين خواصّ النّاس في كلّ علم وامتهان.
فلو وُجد الاصطلاح في العلوم فسيصحبه الفارق، فجدير أن تجد فارق الفارق وعميق المعرفة في كلّ امتهان.
دنيّة المعرفة
سوء اللبس ودنيّة المعرفة، يخلط بعضهم بين فساد طبعه وسجيّة خبثه، فينتج الصورة ذات القذارة، فيكون المتنطّع والفاهَ الوسخ، ويكون خافت المظهر سقيم الوجود، جاهل الخُلق وجهيله. يلمح من النّاس ما يريد ويستسيغ أو ينافق ليرافق، بلّ قلْبَه العِيّ لتتصرّف منه الخبائث.
ويكون هذا في المقارنة صِفراً، وهو كذلك إن كان المُقارن مع من استفحل بالأسحار فقويت أنامله وبثّ خبثه أذيّة، قد كان ذاك حقاً، فلمَ؟ ألنعمة على ذويه أم لبؤس فيك؟
تحرّكني النظرات ورائي لألمح السّهام تمكر لتفتك في لعبة الدنيا، وإن المعاني عنهم لمُحجبة، والمساعي لموجبة للشقاوة بمكر القلوب وعضالها.
سذاجة مهزوم
غلظة الدنيا مما تستدعيه منك المُتغيّرات ونوازل الأمور ومجاري العادات، غلظة تُقنّنها بضابط الشرع، فيكون منها اللّين لتكون أصله، وليس يلزمها الفظاظة ولا غريبها، بل غلظة الدّاخل لمن هشّ منه الفؤاد، ولاذ منه البصر، وهتفت به الغرائب.
